lundi 24 janvier 2011

صباح الخير يا أحلى وطن: ساعات نهارات من شعر الهادي قلة

من كلمات و ألحان الهادي قلة: "غناية ليها" من أروع الأغاني الوجدانية للهادي
ساعات..
نهارات..
تبرد فيها الشمس
في عز عمر الصيف
يغيب خيال الخلاعيّة
يولّي طيف..
شطوطها تدوان
الموج فيها يهرّب
تكفر منها الروح
في الجسم و تتغرّب..

ساعات..
نهارات..
السما و الما و ضوّ النهار
الكلام السّلام
الهوى و النوّار
الباطل..الصواب
و عيون الأحباب..ضباب..
شمعة طافية..
غناية بلا قافية..

ساعات..
نهارات..
تخلى المدينة بألوانها بديارها
تصمّ و تبكم بكبارها و صغارها
بردها و دمّارها
يوحّش أنوارها
بعسسها و كباراتها
بحسّها و عياطها
دمّها..دموعها..
بعروقها و سكاتها
بجناينها وشوكها
تفرّغ حكاياتها..

ساعتها..
نهارتها..
الغربة..و نسيان الأحباب..
الوحشة و الكساد
مع الضباب توخّر
و كل ثنيّة تعمر..
و تفيق الديار..
الشارع يذرّي الكمون عالصغار

من همسه..
من لمسه..
من تحريكة خمسه

الورد يفتّح و يفوح
بخيال الغايبه..
خيال الحاضره..
الغايبه..الحاضره
الحاضره..الغايبه

خيال أخت الروح

dimanche 23 janvier 2011

من التراث اللاشعبي: طريقة عمل أتباع سيدي الحباري





بعد ما استقلت البلاد ببعض سنوات، تحزم سي الحبيب في عملية "تحديث" البلاد و محو "مخلفات" التـأخر وعقليات الولياء والصالحين والشعوذة والزوي وما تابعها. أول ما بدا بيه هو حلان الأحباس اللي كانت تشكل القاعدة المادية والاقتصادية للطرق الكبار في البلاد كيف القادرية والعيساوية والرحمانية والتيجانية و غيرهم. و كذلك على مستوى آخر عدد كبير من الزوي وقع "تأميمها" و دخلو في املاك الدولة.

بالشوية بالشوية تقلصت الحركة متاع الطرقية و ما تابعها من زرد و خرجات و مقدمين و زيارات و حضرات. بها الصيفة دخلت هالطرق الصوفية في نوع من السبات و شبه السرية و كانت النظرة ليهم فيها برشة ريبة. و ما قعد منهم كان بعض الظواهر "الفولكلورية كيف خرجة سيدي بوسعيد بحكم أنها دخلوها في الحاجات اللي "تخدم" السياحة و الا الموسم والحميسات متاع سيدي بالحسن اللي قاومو البعض من أعيان الحاضرة باش تقعد التظاهرات متاعُه متواصلة.

المهم المشهد متاع الحركة الطرقية في السبعينات و في ما بعد تبدل تماما إضافة اللي الأجيال الجديدة من الشبيبة تكونت في المدرسة الجديدة متاع الجمهورية اللي تحمل في برامجها ومنظومتها التعليمية قيم وأبعاد الحداثة والمعاصرة....

بعد إزاحة سي الحبيب على إثر الانقلاب الطبي اللي بموجبُه وقع إثبات عدم قدرتُه على تسيير البلاد، واستلام مقاليد الدولة من طرف الجنرال الدكتاتور الهارب، بدا ت ترجع الروح للطرق والزوي وكذلك لمظاهر الشعوذة والغيبيات والسحر والطلاسم والتطبيب الرعواني على أوسع نطاق و في العلن وعلى طريق الإشهار في الجرايد والمجلات....

في أخر الثمانينات، من أشهر الطرق اللي صارت عندها حظوة كبيرة وأتباع طريقة "سيدي الحباري".... و كيف ما كانت في العهد الحسيني في القرن التاسع عشر الطريقة القادرية والتيجانية طريقة البايات ووجهاء القوم ، أصبحت الطريقة الحبارية طريقة الدولة الجديدة بكل مكونات و مقومات الطريقة من سناجق، و أتباع و مريدين و شواش و مقدمين و زاوية الأم والزوايا الفرعية و مواسم وخرجات و حضرات و منشدين ومناشدين وعمل و متخمرين ومتخمرات و بخور و أوراد و و و و.......

العمل متاع حضرة سيدي الحباري ما عندوش حصر ولا عد من الجوقة الصغيرة للجوقة اللي تعد الآلاف من بنادرية و منشدين و متخمرين بحظور الباش جائر الأول و الا بحضور نوابُه المزرعين في البلاد الكل.

بصورة عامة العمل من ناحية ما فيهش برشة خيال بحكم الفقر الذهني متاع "الفقراء" القايمين من "القوالة"على محتوى الأوراد و تنويع كلامه اللي يتلخض ديمة في مدح "الباش جائر الأول" بصورة لا فيها لا نقاش ولا جدل مع بعض التلوينات في السنين الآخرة اللي تم فيها تدخيل بعض المدحات لللا "البية" ولية الحجَّامات وصنايعيات النقاء والسكر.

تتكون الجوقة في العادة من جماعة العرعور القوي أصحاب الجعب الصَّادي والبعران المقادي. والمسهلة متاع علاقة الجعب والبعران مسألة بيولوجية معروفة لآنه على قد ما يقوى الصوت في المديح ينور البعران بالريح والا بلا ريح.

يبدا العمل بدخول أهل الصنعة بالسناجق الحباري اللي يبداو يذريو على اليمين وعلى اليسار و يكونو اصحاب العرعور لفين رقابيهم بلحف حباري و قبل ما يبداى المديح بالميزان والزكر والكرنيطة و ما تابعها من تشتريات و طيران و طبول، و بعد ما يدخلو الزاوية، يتصفوا صفوف متقابلين و يبداو بقراية الجزب الكبير اللي يتبعوه المسبعات يحب يقول يقراو سبعة في سبعة:

· ورد العناية الموصولة،

· وورد رفع التحديات،

· وورد اللفتة الكريمة،

· وورد ذوي الاحتياجات الخصوصية،

· وورد للا البية تحضرلك في كل ثنية

· وورد معاه نجحنا ومعاه نواصل

· وختامها مسك ورد الخيار الأوحد

كيف قريب يكمل الورد تتعبى الزاوية بالفقوص و يسخن الميزان و تبدا الحضرة إيدك وحديدك واشكون ياكل أكثر من صاحبو فقوس.... وتخميرة الفقوس عملو فيها تنويعات خيالية بفضل المزج بورد العناية الموصولة اللي ربطوه باللفت والكريمة وما عادش التنافس في الماكلة بركة أمَّا طوروها لين ولاو آشكون يتحمل أكثر فقوس ولفت مغطس في الكريمة في بعرانُه وفي هاللحظة بالذَّات يهبطو جماعة البعران الل في العادةفيوتمبك التخميرة يكونو هبطوا السراول (للي ما زال عندهم سراول) و يبداوا يختارو في أغلظ فقوس و يحشيو فيه في بعرانهم.......

وجماعة البعران على وجه التحديد معروفين بمشيتهم اللي خذاوها على التُّعيبات بحكم خشن الفقوس اللي تنافشو في حشيانُه في مؤخراتهم، ويكبر بيهم الشيء لين ولاو "أدِّيكتذ" و ما ينجموش يصبرو على هالصنعة.....

تنجمو تلاحظوهم هالأيامات متخمرين على القنوات التلفزية و بعض الجرايد والمطلوب اليوم الحجز السريع على كل أوراد هالزاوية متاع سيدي الحباري و مطالبة فلاحين بلادنا أنهم يصبرو عامين والا ثلاثة على عدم زرعان الفقوس و ما شابهو كيف القرع بوطزينة والبيتنجال والمخافظة التامة على متراك الشرطة والبوب لأنه حالة المانك متاع أتباع سيدي الحباري تنجم تخليهم يحشيو في بعرانهم أي شي يفكرهم الخيار الأوحد.

Cavalcades dans les steppes

Poème écrit le 24 Août 2010!!



Un soir, soudain, les Chevaux de la nuit se sont libérés.

Cavalcades feutrées sur le sable d’un lit d’oued,

L’amazone métisse enfourche le bel alezan les guide au loin

Sans cris ni mots ils se fondent dans la steppe

L’Azwaw, au loin brandit sa bannière fripée,

Trop tard, mon frère, le destin est scellé.

***

Les images furtives éclairent les troglodytes…

A l’horizon, l’étoile du sud scintille

Ta voix me revient des profondeurs du temps

Ma belle ma douce rencontre,

Prends soins

De toi,

Des semences d’amour,

Des poulains et des parchemins anciens…

***

A l’aube naissante,

La cavalcade se fait tonnerre

Les amazones métisses s’apprêtent à changer le monde

Tremblez tyrans,

La tempête de colère arrose les semences de révolte

Tremblez tyrans ça va germer dans toutes les plaines.

Les parchemins anciens vont être mis à jour.

samedi 22 janvier 2011

هبت نسايم طيفها


1

هبت نسايم طيفها

في فجر من فورار

و العود مني و من يابس الزيتون اخضار

تڨشع ضباب اليأس

من بعد همس الهمس

كما طير شور مايح ڨدا الاوكار

ناسي هموم رحيل ليه دهور

واتاه ريح رفيڨ

رافع رڨيڨ جوانحه

فوڨ السحاب الفوڨ

مالي فراغ جوارحه

عطف و حنان و شوڨ

مهما السفر يطوال

و مهما العناء شڨّاه

صرفڨ صفڨ بجناح

شرڨع صدى بالصوت

"سكب سال دمع الميام حدايف

و عڨلي مرايف

و نالليل ما نرڨده نا مالزنايف"

2

نا مهجتي ماحت ردايد زولها

ناشد على مرسولها

و الڨلب كامي ما ڨدر يڨولها

كلمات في معنتها

شاعر فصيح نصح في سدوتها

و رغم العڨل رجيح

و الشّـَعر مني ابياض

و الشِّعر لي احلى بعد أن راض

تلعثمت ما اتكلمت

و ضاعت الكلمات بالمڨصود

"سكب سال دمع الميام حدايف

و عڨلي مرايف

و نالليل ما نرڨده مالزنايف"

3

جتني نسايم طيفها

ردت ربيع أيام ليها زمان

عاڨر نست الحمل و المولود

شاحب ما اتعودت بالخصب

هزع ڨدها يزيان

و الغصن منها فرّع

نوارها تكاميم في الأخمال

ڨلموز في زند الوليفة فتَّح

و تْبسّمَتْ كي الفجر

مالبِعد بان بريڨ

خلف محاور وسم في الاعلاڨ

و تـْكَلّـمتْ بالبشر

إسْتَبْشِرْت منها بغيث

أول بدو رشراش في الامزان

كتِّيت بالآهات

و طوالعي هزيتها بتبيان:

"سكب سال دمع الميام حدايف

و عڨلي مرايف

و نالليل ما نرڨده مالزنايف"

يا لندرى يبراش

جرح المحبة خايف

جاء مسكنه في الجاش

هُنَّ ثلاث


هُنَّ ثلاث





يجمع بينهن أشياء مبعثرة في ذاكرته و حاضره.

هن ثلاث،

يجمع بينهن صمت و خجل و حياء،

و إن كان لهن أحيانا جرأة أمّهاتهن و جدّاتهن الجنوبيات.

ربما كن حفيدات لأمزيغيات

تبقى لهن من سعدى غضب صامت أحيانا

و للحظات يصبح فوّار،

و بقية من دفء حنان لأب ليس بالمهذار،

أو من عجوز شظفة القناع،

لا تترك شاردة أو واردة،

حتى تتبين العلة و ابنة العلة

و القاضي كيف قضى نحبه.

هن ثلاث،

واحدة في بؤبؤ العين سكنت

و ثانية في تلافيف الفكر عششت

و الثالثة في عقابات الليالي تحط رحالها

هن ثلاث،

تصوروا قلبي يأتمر

للعين ساعات

و للفكر ساعات أخرى

و لسهر الليالي الليل كله.

فأما الشعر لا يحلو،

إلاّ بهن و لهن.

هن سكبن على القلب

رحيقا فأضحى أسيرا

لشمس الجنوب

و تمر الجنوب

و رمل الجنوب.



vendredi 21 janvier 2011



قرأت هذا المقال أكثر من مرة،
ثم قرأت وأعدت الكرة ،
ولم استطع صد الرغبة الجامحة لأتقاسمه مع كل أصدقائي القراء أوفياء خيل وليل.
...لم أعد أعرف من يجب أن يشكر من

مقال تميم البرغوثي الجديد

الثلاثاء 18 يناير2011

كيف نشكر أهل تونس، لا شكر يرقى لهداياهم لنا إلا أن نسير على خطاهم، لأن أول هداياهم هى تعليمهم لنا أن السير على خطاهم ممكن، أن الناس يقدرون على هذا، يقدرون على أن يرسلوا رؤساءهم ووزراء داخليتهم وضباط أمنهم ومعذبيهم إلى الجحيم، ثم ترفض الجحيم استقبالهم.

ما الفرق بين الرجل الخائف المتكلم بالدارجة المغدق الوعود على الناس متوسلا لهم توسلا ساطعا وبين الرجل نفسه قبلها بيومين، جسمه هو جسمه واسمه هو اسمه وماله لم ينقص درهما واعتراف عواصم العالم به لم يتغير، غاية الأمر أنه أصدر أمرا فرفض المأمور تنفيذه فسقط الرئيس. والمأمور فى هذه الحالة قد يكون ضابطا فى الجيش أو طالبة فى المظاهرة، كلاهما لم يطع فأصبح كل منهما رئيس نفسه، أصبح حرا ونال تلك التى نحلم بها كل يوم وليلة.

كيف نشكر أهل تونس، شكر التلميذ للمعلم، شكر الناس لمن أراهم أنهم قادرون، لمن ذكرهم أن لهم أيادى وأقداما وألسنة غفلوا عنها حتى ظنوا أنهم خلقوا بدونها، إن هداياهم لنا لا تنتهى. بادئ ذى بدء قد أهدونا أول ثورة شعبية ناجحة فى تاريخ العرب الحديث، إن ثورات مصر عام تسعة عشر والعراق عام عشرين وسوريا عام خمسة وعشرين وفلسطين عام ستة وثلاثين وإن كانت ثورات شعبية فإنها لم تفلح فى تغيير نظم الحكم التى خرجت عليها. أما باقى الحركات التى أفلحت فى تغيير نظم الحكم من بعد فكانت كلها انقلابات عسكرية دعمها الشعب أو لم يدعمها.

ثانيا لقد أهدانا أهل تونس أول ثورة عربية شعبية ناجحة ضد حاكم عربي، كانت الثورات المذكورة كلها تحركات ضد الاحتلال الأجنبي، وكانت الانقلابات الثورية اللاحقة لها فى معظمها ردود فعل على هزائم حربية أكثرها ضد إسرائيل. وقد قلنا من قبل إن حكوماتنا المحلية هى وسائل احتلال بالوكالة، وقد بدا للقوى الاستعمارية أن احتلالنا عبر وسطاء من أهلنا أنجح وأكفأ من الغزو العسكرى الأجنبى وكان دليلهم على ذلك أنا لا نثور على حكامنا من بنى جلدتنا حتى وإن فعلوا فينا ما كان يفعله المستعمر ويزيد، وحتى إن فعلوا ذلك لحساب المستعمر، وحتى إن أعلنوا نهارا جهارا أنهم يقتلوننا لحساب بريطانيا وفرنسا وأمريكا بل وإسرائيل ثم أسموها بالدول الحليفة والصديقة. فاليوم علمنا أهل تونس أن حجارة الانتفاضة قد لا تقتصر على دبابة إسرائيلية أو أمريكية فحسب، بل قد تطال كل سيارة شرطة عربية تعمل لحساب تلك الدبابات وتحالفها وتتعاون معها.

ثالثا: أهدانا أهل تونس أول ثورة شعبية عربية ناجحة قامت لأسباب اجتماعية واقتصادية. فقد كانت العادة من قبل أن الجوع والقهر عندنا لا يغيران الحكومات، وكأننا نرضى من حكامنا فقط بأن يكفوا عن قتلنا، فإن أخذوا رزقنا فهنيئا لهم فنحن أضعف من أن نثور حماية لأرزاقنا. وكأنا تعودنا الجلوس على المقاهى بلا عمل، وتعود شبابنا ألا ينالوا حقهم الإلهى فى الإلف لقلة مالهم، وتعودت صبايانا ألا يصبحن عرائس وأمهات ما لم يَسألنسؤالا مهينا عن الأثمان المدفوعة فيهن، وكأننا تعودنا أن يحولنا الفقر إلى شحاذين وبغايا ثم لا نغضب، ونحمد الله على أننا لم نمت ولم نعذب ولم نوضع فى قبو أو قبر. علمنا أهل تونس الغضب الحلال وأن عربة خضرة مبعثرة ثمارها على الأسفلت سبب كاف ليرحل رئيس الجمهورية وزوجته وأولاده وأقرباؤه وحلفاؤه وأصدقاؤه ويحرر الحيز الذى كان يحتله من الهواء والأشبار التى كان يقع ظله عليها من الأرض، كلها فداء عربة خضرة قلبت ظلما، فلم يسامح الناس فيها.

رابعا: أهدانا التونسيون ثورة انطلقت من الريف وأثمرت فى العاصمة، لقد كان أهل مصر مثلا قلقين من أن قدرتهم على الحشد فى الريف أكبر منها فى العاصمة لتركز الأمن بها ووجود خطط لأغلاق منافذها، بل إن شوارعها صممت بحيث تقسمها الأسوار الحديدية فلا يمكن للناس أن يتظاهروا فيها. أقول لقد أهدانا أهل تونس ثورة ولدت حيث ولدت فلم يشأ لها الناس أن تموت، وخرجوا من بلدة إلى أختها حتى وصلوا إلى وزارة الداخلية، هى ثورة مستضعفين حقا لا مجازا، ومهمشين بكل ما فى الكلمة من معنى، وقد انتصرت بكل ما فى الكلمة من معنى.

خامسا: أهدانا أهل تونس مثلا يحتذى فى الحكمة ورباطة الجأش، فبعد هروب الرئيس أطلق بعض أعوان النظام السابق جماعات من النهابين تعتدى على الخلق فى دورهم، ففهم الناس، وفهموا كلهم وفى نفس اللحظة، أنها خطة دبرت بليل لوصم الثورة بالفوضى، ولكى يترحم الناس على الشرطة التى انتصروا عليها ويطلبوا منها العون ضارعين. فما كان من الناس إلا أن شكلوا لجانهم هم، شرطة منهم ومن أبنائهم، لم تتعود على الضرب والسحل والتعذيب والرشوة، بل أهل الأحياء يحمون أمهاتهم وأخواتهم وأخوانهم وأنفسهم ودورهم، مثال والله بعيد المغزى، فقد أقام الناس دولتهم بعد الدولة وبعيدا عنها، استقلوا عن الدولة التى لم تكن إلا امتدادا لاحتلالهم واستمرارا لاستعبادهم. ربما رأى معظم القراء ذلك التسجيل المصور من شارع الحبيب بورقيبة ليلا حيث نادى مناد يا أهل تونس ارفعوا رؤوسكم ولا تخافوا من أحد بعد، فأجابته النساء بالزغاريد، ثم أجابتهن نساء أخريات بزغاريد أخرى من آخر الشارع.

أيها الناس هذه الزغاريد هى الثورة وهى الدولة، هى تكاتفنا وحسن ظننا بأنفسنا، هى إعلان سند وحلف، وليس العقد الاجتماعى الذى تقوم عليه النظم السياسية إلا حلفا بيننا مفصلا بعض الشيء. لقد أهدانا أهل تونس ولو لثوان دولة من الزغاريد، وحلفا من الناس تعاقدوا على ألا يجور أحد على أحد، وأن يكونوا يدا على من جار وظلم، وأن ذمتهم واحدة، وليست الدولة إلا عقدا كهذا ما لم يغفل عنها أهلها فيميل بها الظالمون.

تعلمنا فشكرا لأهل تونس، ولن يعود لهم شاه ولا شاهبور، فاليوم أصبح للعرب فى الثورات الشعبية نصيب كجيرانهم. وأما حكامنا الذين يحكموننا من ثلاثين سنة فليخافوا، ولا نلومن إلا أنفسنا إن لم يفعلوا. لا يوجد الحاكم إلا فى خيال المحكوم، وبعض الحكام عبء حتى على الخيال.

المصدر : جريدة الشروق المصرية

mercredi 19 janvier 2011

قُصْ الرَّاس تنشف العروق أو كيف تعزل المجتمع عن النخب السياسية

الحلقة الأولى

من التبعات المدمرة لفترة الحكم النوفمبري و لما قبله بسنوات أيضا، خنق كل مجالات الفضاء والعمل السياسيين، و تعميق الهوة الفاصلة ما بين النخب عامة والسياسية منها خاصة وبقية المجتمع. و لم تكن هذه الممارسات اليومية للنظام الحاكم تهدف إلى استجلاب المجتمع بكل فئاته لحزبه بل بالعكس كانت تعتمد أساسا على تقوية علاقات الزبونية والولاء اللامشروط فحسب، ولا ترمي من خلاله تقوية الوعي السياسي والاهتمام بالشأن العام بقدر ما كانت ترمي إلى الانغماس أكثر فأكثر في استغلال النفوذ والسلطة والانسياق في التكتلات المشبوهة لخدمة مختلف العصابات المؤثرة والنافذة على الساحة الوطنية والجهوية والمحلية.

هذا ما خلف في عمق المجتمع استقالة تكاد تكون جماعية عن الاهتمام بالسياسة بمعناها النبيل والسخي لخدمة المجموعة والمصلحة العامة، لتستأثر أقليات بالجهاز الحزبي التجمعي على كل المستوايات بالعمل على نسج شبكات عنقودية لنتشر الفساد بصورة تكاد تكون شاملة، لا يتمكن من انخرط فيها من الإفلات أو ادعاء نقاوته. و لم يسلم من هذه التبعات الأحزاب "الكرتونية" الموالية له.

ولعل الطامة الكبرى تتمثل في سياسة اليباب و نشر الفراغ السياسي اجتماعيا ببث الخوف والهلع في من تبقى ممن لم يلتحق بالتجمع و صنيعاته بخلق حزام عازل حول أحزاب المعارضة المحاصرة مقرات وصحافة و أنشطة، ليستفحل في صفوف الطبقة المتعلمة والوسطى اجتماعيا ما تم الاتفاق على تسميته "باللام بالات" و عدم الاكتراث بمصير البلاد والذي أعبر عنه "بالتفليقة" الهادئة والصامتة.

و حتى يكتمل المخطط التدميري، أطلق العنان لإلهاء المجتمع في الترفيه الكاذب من جهة وفي تفريغ الاحتقانات من جهة أخرى، عن طريق:

· السيطرة شيئا فشيئا على الفضاء السمعي البصري (إذاعة موزايك، كاكتوس للإنتاج...) و الهيمنة على القنوات العمومية، و تطويع عدد من الصحف المأجورة.

· نشر المحاصصة والزبونية في الحقل الثقافي.

· تغطية البلاد بكامل معتمدياتها بمهرجانات ضحلة وذات برمجة ينحدر فيها الذوق للدرك الأسفل.

· توظيف النشاط الرياضي -الذي يكاد أن ينحصر في كرة القدم- لامتصاص فائض الاحتقان والغضب لدى الشباب في صراعات هامشية تأخذ فيها الصراعات بين الجهات أبعاد حرب أهلية تشجعها عديد الأطراف والصحف والبرامج التلفزيونية لتتحول إلى مشهد فرجة أو ملهاة تستقطب اهتمام الناس و تلهيهم عن الانشغال بأحوالهم و معيشتهم و تطلعاتهم.

بالإضافة إلى هذا،لابد من الإشارة إلى ظاهرة ما يُسَرَّب –عمدا أو تبجحا- من "بطولات" و صولات العائلة الحاكمة والتي جعلت من "إذاعة قالوا" وما تتطلبه من سبق واطلاع ومعرفة ودراية، الرياضة الوطنية الأولى "لألسن" التونسيين، كتعبير لأزمة حادة من المازوخية الجماعية.

أما على المستوى الفضاء المدني و ما كان موروثا من أواسط العهد البورقيبي من ثمرة النضال السابق، فقد أضحى مستهدفا تدريجيا بمحاصرة وخنق وتدمير ممنهج يرمي إلى اقتلاع كل جيوب المقاومة المدنية، إمَّا بتحويلها عبر مؤتمرات مزيفة أو انقلابات مفبركة إلى أجهزة عميلة للنظام وأبواق دعاية للجنرال الفار.

كل هذا سيعطي لمشهد المجتمع التونسي صورة تسودها مفارقات رهيبة، تشكلت من تلقاء نفسها تحت وطأة ما اعتمل داخل المجتمع منذ تمفصل نهاية مرحلة الاشتراكية وانطلاق التوجه الليبرالي مع الهادي نويرة. و لعل لما حدث من تطورات مهولة في الفضاء العمراني لتونس الكبرى مثال مصغر لما حدث على صعيد كامل البلاد طيلة أكثر من 40 عاما، أي ما يعادل جيلا أو أكثر. هذه التطورات اللتي تسارعت و تجاوزت رؤى المستشرفين والمخططين فضلا على غياب التحاليل والدراسات الميدانية من قبل مختصين في الاجتماع والتهيئة الترابية وقضايا التنمية و غيرها.

تراكمات هائلة من الفوارق الاجتماعية والصلف والثراء الفاحش المتبجح يقابله كبت وغيض مستبطن وحرمان مطرد يتولد عنها هروب إلى المجهول في عوالم شتى من الانحراف إلى الاحتراق المادي والمعنوي في شق من المجتمع، ومغالاة في السيطرة على كل موارد الثروة، والإيغال في التصرفات اللاأخلاقية والمجاهرة بها بكل خيلاء.

أجيال تتدافع عند مداخل ومخارج المنظومة التعليمية بصفتها ما زالت تشكل أمل الرقي الاجتماعي والخلاص من عقد الفقر والفاقة والاحتياج تجد نفسها أمام جدار يعزلها عن أي قبس من الأمل في شيء يبعث على التفاؤل، حتى الأمل في خلاص إلاهي بواساطة مبشري الحركات الإسلاموية تراجع بصورة مفاجئة...

لا سياسة ولا سياسيين ولا زعامات ولا وعود دمار يتقاسمه بشيء من السخرية المرة مئات الآلاف من شباب العالم الافتراضي المطلين على ارتجاجات العالم عن طريق المواقع الاجتماعية في حين يشعرون بحجرة طاحونة القهر تدور تدور تدور تدور ولا من مغيث و لا من آذان صاغية