









أهلنا من الدويرات القدامى، دخلو ووطـّنو في الحاضرة من مدة طويلة ترجع لدولة الحفاصة. البعض منهم خدمو في بنيان الجامع الحفصي المعروف بجامع القصبة يحب يقول في القرن 13 ميلادي. في المرحلة الأولى كانو كيف غيرهم من الآفاقيين اللي يجيو من الجنوب، يقيمو عزَّابة في وكايل والا فنادق.
ما بدا استقرارهم بعائلاتهم كان بعد مدة، سمحتلهم فيها الدولة أنهم يسكنو داخل أسوار المدينة و يكون عندهم شيخ منهم يرعى مصالحهم. تعايشو مع امالي الحاضرة لدرجة أنهم ولاو محل ثقتهم يآمنهم على ديارهم كيف يجي فصل الخلاعة، يفرغولهم بعض بيوت باش يسكنو فيهم بعائلاتهم.
البعض من العيلات البلدية اللي اكتشفو مهارة نساء الدويرات في الطبيخ خاصة الكسكسي وغيره من المأكولات وما يلزمهم من أفاحات وبهارات، كانو يستعينو بيهم في أفراحهم ومناسباتهم. بالشوية بالشوية تكونت العشرة بيناتهم وولاو البعض من نساء الدويرات مرضعات لصغارهم يعيشو معاهم وكيف يكبرو يعيطولهم "أمِّي".
من الجملة رويت على البعض من النساء الكبار متاعنا هالطرفة اللي تحكي على خالتي "فلانة" اللي ولات كي فرد من عايلة من العايلات البلدية المعتبرة، كانوا ديمة يلحلحو بيها باش تمشي معاهم تعدي جمعتين والا أكثر في الخلاعة في برَّاكة قد الدَّار في سيدي بوسعيد. الدنيا صيف ورياقات وتصنيف وعشوييات الحاصل لا نودكم ولا نشهيكم. تقعد معاهم أش تقعد لين تطلعلها الكلبة بنت الكلب وتقول لواحد من"أولادها": يا "فلان" غدوة عيش ولدي كي تجي هابط لتونس تهزني معاك في التونوبيل. ومن حينك يتحل باب علاش وكيفاش باش تخلينا وحدنا واحنا بلاش بيك القعدة تمصاط، ويبداو يلحلحو ويزقدحو ويعرضولها في الجاه والشفاء والبخاري باش تزيد نهارين والا ثلاثة – وهومة ماذا بيهم تكمل معاهم شيخة الخلاعة والبحر وما تابعها... وهي مكيكسة حارنة ولاحد ينجم يثنيها على ما عزمت حتَّى في الاخر تتطرشق عليهم:
- "يا ديني تحبُّـوني نموت بكـُّوشة...."
- علاش تموت بكـُّوشة؟
- بالعربية وبالفلاقي نحب نتكلم بالدويري، ووه عندي جمعتين ما نطقت حتى كلمة يا ناري...
محل الشاهد العشرة اللي ربطت أهلنا بأهل الحاضرة كانت عشرة قوية لدرجة أنه بعض الصغار اللي عاشوا جيران مع الدويرات كانو يخطفو البعض من كلامهم ولغتهم ويتغامزو بيها مع أولاد الدويرية باش يسلكو أرواحهم من حصلات مع ولاد أخرين ما يفهموهاش.
من الفدلكات الدارجة في صغرنا، أنُّه ديمة ينشدونا نشدة باش يضيعونا بآنا جواب نجاوبو ويقولولنا:
- أنت مسلم والا دويري؟
بالطبيعة هي نشدة حولة ومقعورة، وبعد ما الواحد يمهمه جوابنا يخرج ثابت ما فيه حتى شك:
- دويري
دويري قال الرَّاجل أفي الله شك؟ أمَّا مسلم مسألة مفروغ منها وأكثر من هذا ما كنَّاش حتَّى إيباضية والا خومس والا نكـَّار. والحكاية تقعد ديمة من باب الدعابة الموجهة للصغار...
حتى كيف كبرنا والواحد يتغرب و يعاشر الملل الاخرى اللي كانت نظرتها لينا من باب " كلمة زَع تسوق البل" ويجمعونا تحت تسمية "عرب" باللهجة الدونية، كـُنَّا نصلحو هالتسمية بقولنا تونسي والا جزائري والا مغربي لأنه عرب كذلك مسألة مفروغ منها...
وضعية المنحدرين من ألصول الأمازيغية اليوم ولات باب من أبواب الفتنة اللي يحبو يحلوها البعض وينساو والا يتناساو اللي هالحكاية عمرها ما كانت ما بين مختلف سكان شمال افريقيا من ليبيا للمغرب. وينساو كذلك اللي أوضاع أقليات والا حتى أكثر من الأقليات في بلاد المشرق كيف الاكراد والدروز والأقباط والأرمن والشيعة بكل أطيافها والعلويين وغيرهم وغيرهم أوضاع مهينة باسم مبدأ الأغلبيات السايدة والمستبدة اللي حولت التعايش لنوع من الاقصاء والتهميش والحرب الاهلية.
سواء كانت أقلية كيف ما هو الحال في تونس والا ليبيا، والا أقلية هامة كيف ما هو الوضع في الجزائر والا أغلبية كيف ما في المغرب، عمرهم الأمازيغ ما تحركت فيهم نعرة الانفصال وتكوين "أمَّة" مستقلة. حتى كيف فرانسا حبت تستغل هالمسألة في مواجهة حركات التحرير الوطني خصوصي في الجزائر عمرها ما توصلت باش تقيم القبايل والشاوية وغيرهم من الأمازيغ على وحدة وطنهم في وقت اللي الجماعات الإسلامية حلت أكبر حرب أهلية ومذابح اشتركت فيهم هي والمنظومة الاستبدادية الحاكمة.
البارح كان السؤال: مسلم والا دويري ما وراه كان تفدليكة وتبسيمة، اليوم ثمة ناس قريب باش توللِّي تطرحه بلهجة إنكارية فيها خلفية تكفير وبرشة من منطق محاكم التفتيش.

مقر القيادة الشعرية للثورة التونسية
حَالاَتُ الطريق
أولاد أحمد
علي سعيدان المقطعين: 12 و17
1
في حَالةِ انْتَصرُوا
سأخْرجُ للطريقْ
وأَعُدُّ أصواتي التي صَمتَتْ..
وأجلسُ في الطريقْ
لِتَمُرَّ قافلةُ الكَراهِبِ.. *
لنْ أقُومَ مِنَ الطريقْ
ومُمَدّينَ: أنا وظلّي والخَسارةُ..
سوفُ نصْرخُ بالطريقْ:
أوْصلْتِهمْ.. وأضَعْتِنا:
شكرًا.. نُحبّكِ يا طريقْ
2
في حالةِ انْهزمُوا..
سأخْرجُ للطريقْ
وأعدُّ أصواتي التي نَطقتْ
وأرقُصُ في الطريقْ
لِتمُرَّ قافلةُ الكَراهبِ
لن أحِيدَ عنِ الطريقْ
ومُمَجَّدينَ
أنا وظلي والحَمامةُ
سوفَ نصرخُ بالطريقْ:
أوْصَلْتِنا وأضعْتِهمْ
شكرًا.. فأنتِ هيَ الطريقْ
3
في حالةِ انتصروا ولمْ يخْسرْ أحَدْ
وتزوّجَ الاثنانِ منْ يومِ الأحدْ
وتشابهتْ أيّامُنا..
وتواتَرتْ أعوامُنا
والرّيحُ، تلكَ الرّيحُ، غاضِبةٌ..
و تَعْبثُ بالغَريقْ
سأظل أبحثُ عن حروفٍ..
كيْفما رتّبْتَها.. تعْني: الطريقْ
4
في حالةِ انهزمُوا..
ولمْ ينجحْ سواكْ
يا نائمًا في قبركَ العالي..
ويَحْرُسُكَ الملاكْ
يا هامشَ النّيرانِ في مَتْنِ الحريقْ
سأكونُ جسْمَكَ ماشيًا..
ومُغنّيًا..
طولاً وعَرْضًا.. في الطريقْ
5
في حالةِ اقْتَتَلُوا..
ولمْ يظهرْ غُرابٌ في الأفقْ
وتبعْثرتْ أجسادُهمْ
وتطايَرتْ أرواحُهمْ
سيكونُ حَفْري للقبورِ مُباشرًا..
بطريقتي.
وعلى الطريقْ
6
في حالةِ انتصرَ السلاحُ على الكفاحْ
وتعَسْكرَتْ أجْواؤُنا ومياهُنا وتُرابُنا
وتلاَ البيانَ مُلازمٌ متربّصٌ..
باسمِ الكتيبةِ و الفريقْ
سأظلُّ أبحثُ عنْ طريقٍ..
في الطريقِ.. إلى الطريقْ
7
في حالةِ احْتدمَ الصراعُ على الحدودْ
وتمكّنَ الجيرانُ منْ فرْضٍ القواعدِ والقُيودْ
خوْفًا من الثوراتِ..
مِنْ فَقْدِ العتيقةِ والعتيقْ
ستَرى لباسي أخْضرًا..
مثْلَ الحشيشِ على الطريقْ
8
في حالةِ ابْتدأَ الخطابُ بِ:"أيُّهَا"
9
في حالةِ اتّسعَتْ مجالِسُنا لِبتْرولِ الخليجْ
( أقْصدُ : اتّسختْ )
وحَرامُهمْ أضْحى حرامًا عنْدنَا
وحَلالُنا أضْحى حرامًا عندهمْ
وبلادُنا صارتْ قطيعَ مُهلّلينَ كما الحجيجْ
في حالة انطفأ الشعاعُ..
وزادَ.. فانْطفأَ البريقْ
سأكونُ، في الإسفلتِ ، مثْلَ حصَى الطريقْ؟
10
في حالةِ اخْتَفَتِ النساءُ مِنَ البلادْ
وبَراقِعًا مُتشابهاتٍ صِرْنَ ما بيْنَ العِبادْ
حتّى إذا نادَيْتَ واحدةً..
وكنتَ تَظنُّها لَيْلاَكَ ..
أخْطأتَ المُسمَّى والقِلادةَ والأساوِرَ والعقيقْ
في حالةِ اخْتَفَتِ النساءُ أبي:
لِأُولَدَ مِنْكَ وحْدَكَ
في الشمالِ.. على الطريقْ
11
في حالةِ انْفردَ الشبابُ بتونس الخضراءَ
واحتلّوا المناصبَ كلَّها
/ سأكونُ شيْخًا عنْدَها /
وسُئِلْتُ:
ـ ما دخْلُ الشّبيبةِ في السياسةِ؟
لنْ أجيبَ بغيْرِ هذا:
ـ الشبابُ هُمُ الطريقْ
ـ معَهمْ سَمَاءٌ.. فلْتَطِرْ..
ما كنتَ في قفصٍ إلاّ لأنكَ لمْ تكنْ أبدًا طليقْ
12
لِيَا بَات الغَلـَب في بيوتنا
واتقـَلعَتْ الاوتاد
وضاعت عنَّا الطـُّرق وغدَات
نرعى بين النجوم ثنَايا
من قبل وموش اليوم
عندي مع النجوم حكاية
ومهما السماء بغيومها تسواد
ومهما تكاثرت وتعددت الاضداد
نلقى الطريق ما بين جاي وغادي
بين الثريا والدلو وشارع التبَّانة
ثَـَمْ، نرسُم طريق فريدة
ثـَمْ نبني من جديد فريقة
وتُسقام من بعد العناء الآيَّام
يَامَا اعْوَاجَتْ قَبْل وسقـَّمناها
13
في حالةٍ قدْ لا أكونُ ذكرْتُها
ولعلّني قدّرْتُـها ونسيتُها
خوفًا على مسودّتي..
من طولها.. من وزْنها
يبْقى لكمْ هذا الفراغُ...
..............................
..............................
مَؤونَةٌ... تكْفي الطريقْ
14
في كلِّ حالاتِ الطريقْ
سِعَةً وضيقْ
لا بُدَّ منْ أمْر نُحاولُهُ فُرادى أوْ معٌا
لا بُدَّ مِنْ معْنًى دقيقْ
لا بُدَّ مِنْ مبْنًى أنيقْ
15
في حالةِ اعتذرُ القتيلُ لقاتِلِهْ
وتقرّضَ الجرذانُ أرشيفَ الخيانةِ والرصاصْ
ورأى القضاةُ نقيضَ أمرٍ لمْ يروْا..
مُتلهّفينَ إلى التّطاوُلِ و القصاصْ
وتعيّنَ الظّلْمُ الرّهيبْ
وتحتّمَ السّجنُ السّحيقْ
سنعودُ مِنْ نفسِ الطريقِ إلى بداياتِ الطريقْ
16
في حالةِ الشعبِ الكريمِ إذا أرادَ ولم يُرِدْ
وتلعْثمتْ نَبَراتُهُ في المجلسِ المنْظورِ..
ثم أعادَنا لرُقادِنا
حِرْصًا على المجبُولِ
أيْ: خوفًا منَ المأْمولٍ والمجهول
فليسمح بتسْميتي لهُ:
"شعبي الشقيقْ"
وصدًى سيرْجعُ مُرْعِبًا:
ـ ضاعَ نثجومُكَ.. يا طريقْ
17
كي يضن شعبي روحه غالب
ويضرب كـَف بكـَف
ولسان حَالَه يقول :"الله غالب"
وانضل آنا منكوب
ويبات الغلب بيني وبينه
وتذهب عليَّ طريقي
ويتيه وما يسرّب ثنايا قط
ونضيع هو وآناي
مابين المسارب ليلة
وممكن ألف ألف ليلة وليلة
لا يغيضك يا شعب،
منهُ مات....
ما يغيضك يا شعب كان الغلب وين بات.
24 سبتمبرـ 5 أكتوبر
عام الثورة 2011
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الكراهبُ:مفردها:كرهبة بالدارجة التونسية وتعني:سيّارة.. ويقع استعمال أو عدم استعمال مُنبّهاتها في حالات النصر الجماعي أو الهزيمة الجماعية..غير أن هذه الكراهب لم يقع استعمالها،منذ الاستقلال إلى الآن،إلا اثر مباريات كرة القدم..ويتوقّع كاتب هذه السطور أن يكون لهذه الكراهب ومُنبّهاتها دور سياسي اثر الإعلان عن نتائج انتخابات المجلس الوطني التأسيس المقرّرة ليوم 23 أكتوبر 2011