Affichage des articles dont le libellé est ثقافة. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est ثقافة. Afficher tous les articles

lundi 19 janvier 2015

والكلا م قياس موش حصيرة ...(من أرشيف خيل وليل: جويلية 2007)





فرشة:

جاء في الأسفار المقدسة القديمة انه سكان بابل ظهرلهم في وقت من الأوقات يبنيو برج يوصلو بيه للسماء، من حينك بداو في البني، كيف ما نقولو مهندسين تستنبط وتصور في البنية و كيفاش باش تكون، ومعلمية تجبد في الخزم وتسطر وخدامة الحزام يحفرو في السيسان وصناعية ينقشو في الحجر وبناية تبني واللي يكر في الرمل واللي يحرقو في الحجر باش يصنعوا الجير والجبس والبعض يخلط في العجنة. بدا البرج طالع كل يوم يزيد درجة، واللي يتصوروه المهندسين يظهر في الواقع من غير معاودة ولا تبلبيز ولا تكعرير. الناس الكل فرحانة كيف اللي مشارك في البني كيف أهل البلاد.الحاصل ليامات تتعدى والبرج طالع شامخ في السماء والجناين معلقة على حواشيه حاجة تعمل الكيف وتشرح القلب.

أية البرج شاقق قبة السماء لين ما عادش يترى من الأرض، شافهم ربي كي ما تقول انت مفرعنين، ما عجبوش الحال لانه تأكد اللي ما عاد باش يردهم شيء في اللي عزمو عليه وما دام باش ينجحو في هالبرج برة شوف على اشنوة باش يعزمو المرة الجاية؟؟؟ حب يعرف أشنوة السر في نجاحهم هذا الكل: عبقرية وقوة والا اشنوة؟
ركّز عليهم مدة واكتشف اللي القوة متاعهم ناتجة من أنه الفكرة الأولى والاستنباط الأول يوصل لآخر خدام من غير ما يتحرّف، الناس الكل تتكلم نفس اللغة فاهمين بعضهم كي ما نقولو اليوم 5/5 لا الواحد تعاودله لا يقلك ما فهمتكش ولا يفهم بالغالط.
قال بينه و بين روحه هالجماعة يلزم نوقفهم عند حدهم، ياما كيفاش؟ وهوما بانسجام لغتهم وصفاوتها الشيء اللي خلّاهم في ها الدرجة من القوة والعبقرية؟ من حينك فرفرشلهم لغتهم يزيد نقطة هنا و ينحي مدة هوني ويعمل شدة في بقعة أخرى ويزيد همزة غادي وينقص حرف من شيرة أخرى.... ما تعداو أيامات لين كلات بعضها وبدا البني يتقربج والشقوق تتحل والميزان طايح وكل واحد يقول موش مني من الآخر وفك إيدي من شوشتك والنهار الكل اجتماعات واحتجاجات واعتصامات ولجان وولاو حد ماهو فاهم حد. اتهردم البني وخرب والشانطي وقف والخدامة ما خلصتش وما نحكيلكمش... وربي من فوق شايخ على قرعتهم بعد ما اطمان اللي ما عادش باش تقوملهم قايمة من نهارت اللي ولآو في ستين لوغة جديدة وكل يوم تتولد وحدة أخرى بعد ما كانت عندهم لوغة وحدة تجمعهم هي مصدر قوتهم.....
و احنا كلامنا قياس موش حصيرة تقعد عليها الناس....

الحاجة المهمة والملفتة للانتباه أنه في ها القبة التدوينية التونسية نلقاو عدة لغات مستعملة للتعبير كل حد وحسب كيفه وشيخته اللي بالعربي الفقهي الفصيح واللي بالفلاقي من اللغة المتداولة في ساير ليام واللي بالفرنساوي واللي بالانقليزي وحتى بلغة الرسائل القصيرة المعروفة بالآس أم آس وغيرها. شيء يركب الكيف ويترجم بصدق على الفسيفساء والتنوع متاع بلادنا. ونلقاو في كل لغة أنواع من اللهجات والأساليب اللي تعبر كل وحدة على مولاها: الشبيبة بلغتهم والكبار بلهجتهم شيء محبوك ومرتوب ياخذ اللي يكتبه وقته ويرد باله فيه على سلامة لوغته وبنيانها ونحوها وصرفها وشيء مطلوق مسرح يجي تلقائي كيف ما يتكلم مولاه في ساير الايام ويفوحه بما اشتهى من الممنوعات الي ما تتعداش في بعض بلايص ساعات. تعددية لغوية وتعبيرية هي من ناحية ثروة في ميدان التواصل ما بيناتنا من شيرة واحنا وغيرنا اللي ما يفهموش لغتنا الأصلية من شيرة أخرى، وحد ما ينكر، وهذا أمر باين ما فيهش شك أن طاقة التوانسة في التأقلم في مستوى اللغة والغناء مع العالم سوى كان عربي والا شرقي، ونلقاو برهان على هذا في المدونات الموسيقية اللي يختاروهم المدونين و اللي تبين زادة اتساع الدايرة السمعية متاعنا كيف اتساع دائرة الشيء اللي يقراوه المدونين من الأدب والشعر والمكتوب في الدنيا الكل. يحب يقول اللي شبابكنا محلولة وطاقتنا على امتصاص المعرفة والتراث اللامادي كبيرة وناتجة في جزء كبير منها على ما ورثناه من النظام التعليمي اللي خلاته فرنسا وما وقع تركيزه من بعد الاستقلال. تبقـَّى ما يلزمناش ننساو اللي المدونين في الاغلبية ناس عندهم مستوى وربما يتوصلوا بدرجة أكثر والا أقل من النجاح في التوفيق بين ها المستويات اللغوية ويلقاو شيء من التوازن بينها وبين ما يكمن وراها من أبعاد ثقافية وذهنية ومفاهيمية، أما كيف نهبطو لعامة الناس والسواد الأعظم والشيء اللي بدا يبان مع الأجيال الجاية، الواحد ما ينجمش ينكر حالة الحيرة و التذرية الثقافية متاعنا اللي ما تبعدش على نوع من الفصام (سكيزوفرانيا) الاجتماعي. لأنه الفضاء الاجتماعي متاعنا مقسوم ومفلق على ثلاثة شلم في المنظومة اللغوية إذا ما قلناش أربعة:
عندنا اللغة الدارجة اللي نتفاهمو بيها فيما بعضنا في ساير الأوقات في الخدمة في الدار في الشارع والبيع والشراء وما يهم العيشة اليومية. و ساعات تلقى أكثر من دارجة: دارجة الراديو والتلفزة ما هيش دارجة فضاء بوعبانة الستة متاع العشية نهار السبت!!!!
عندنا العربية الفصحى.

وعندنا اللغة الفرنساوية.

و ها اللوغتين اللي نتعاملو بيهم في الإدارة والمدارس والشريكات والصحافة الحاصل عند لحاسين الأقلام.

والسؤال المطروح علينا كيفاش نتوصلو باش تبنيو ثقافة وطنية متجانسة بها الخليطة متاع اللغات؟؟؟ يا هل ترى ممكن باش تتم عملية توحيد الثقافة بغير لغة موحدة؟؟؟
أما هي اللغة اللي تنجم تحددلنا هويتنا وشخصيتنا وينجمو الشعوب الأخرى يتعرفو علينا بيها؟

يا هل ترى اللغة الفصحى المكتوبة متاع عرب الزمان الغابر تنجم تكون لغة عرب اليوم؟

يا هل ترى اللغة الدارجة اللي شابّة في اتجاهات متنوعة تنجم تلبي الحاجة وتوللي لغة اليوم؟

زعمة انجمو نواجهو العالم بما فيه من مستجدات علمية وفكرية وثقافية ونلقاو ثنية لارواحنا تميزنا على غيرنا من غير ما نكونوا شادين في شيء من شيرة يظهر تابع للماضي اللي وفى و اندثر، و الا الشيء البراني اللي هو غريب علينا وما عندنا عليه حتى سيطرة؟؟؟
سؤالات تحير....

في باب آخر،الراغلة تكبر وقت اللي الواحد يتفرج على أعمالنا الدرامية سوى مسرح والآ سينما و لا مسلسلات ويشوف حالة البؤس والتعاسة اللغوية اللي لا نكهة ولا مطعم، حاجة مكنجلة أسبتيزي واللي ما يتكتب منها حرف إلا بموافقة الرقابة والرقابة الذاتية؟؟ إلى أنا حد الشخصيات اللي يتقدمولنا في التلفزة يشبهوا ويعبرو عل شخصيات الواقع. وقت اللي الملهط –كيف ما قال واحد من المدونين- عندها الحق في الوجود في الدنيا و ما عندهاش الحق تتوجد في الخيال المكتوب و المرئي؟؟؟؟ يا هل ترى اللغة اللي يتكلمو بها هي اللغة اللي نسمعوها في حياتنا اليومية... خللي عاد إذا جيت لهاك المسلسلات اللي بالعربية الفصحى متاع "بطولات العرب" في القرون الخالية والا ترجمة المسلسلات المكسيكية؟؟
ما نعرفش كان تتفرجو ساعات في الفضائيات اللي تعدي في الأفلام الغربية من نوع م ب س و ون تي في و تقراوا ترجمة( سوتيتراج) الحوار الأفلام بالعربية الواحد يوللي يشوف في فيلم و يقرى في فيلم آخر من جراء الرقابة والمنع اللي مايسمحش انه يتعدى كلام السبان و الشتم و ما فيهم من قنابل اماليهم استانسوا بيهم واحنا ما يلزمش ننطقوهم بالعربي كيف اللي ما عنداش قنابل كيفهم ولا أقوى !!!!.

محل الشاهد موش ممكن توصل انتاجاتنا السمعية البصرية لمستوى ما دام الرقابة والرقابة الذاتية رامية كلاكلها على الخيال واللغة، ما دام ما نصوروش الدنيا بهمومها وجمالها بخنارها وخمجها وتجاوزاتها وتأخرها والمجتمع بكل نواقصه، ما نجموش نتقدمو في مجال الحريات. وبان بالكاشف انه كيف المبدع ياخد ويفك حقه في التعبير على رايه يكبر في عينين أهل بلاده. ولولا الجرأة اللي طبعت الجيل اللي جاء بعد ماي 68 ما كانش ممكن انه توصل القنوات الفرنساوية على سبيل المثال باش تكون في ها المستوى من الحرية و الأباحية والدنيا ما جرالها حتى شيء مع ذلك.

واحنا في بلادنا حتى كيف تتولد إذاعات و قنوات تلفزية قال اشنوة "خاصة" يولليو يتزاحمو أشكون باش يكون مستواه أهبط من الآخر وعمرهم ما يكونو في السباق أشكون يفك أكثر مساحة في باب حرية التعبير و الإبداع الراقي. والفاهم يفهم.


jeudi 11 avril 2013

Violations of freedom of musical expression in 2012





Freemuse annual statistics:


Freemuse has compiled statistics presenting a glimpse of the situation for musicians worldwide in 2012.
A total number of 173 cases of attacks on musicians and violations of their rights have been registered. The cases include 6 artists being killed, 14 imprisoned, 2 abducted, 12 attacked, 5 threatened, 16 prosecuted and 84 detained, as well as 34 cases of censorship.

Please note that the documentation is representative of cases registered by Freemuse. The cases found the basis for the statistical compilation and include cases in more than 30 countries. The statistics were compiled in February 2013.

This is a geographical presentation of musicians who were killed, attacked, abducted, threatened, detained, persecuted, imprisoned and threatened or subjected to censorship. Click on the image to open PDF. (Right-click to download).

Right-click to download PDF file
The following principles of statistical registration have been used:

If a musician is threatened and attacked while abducted the case is only listed as “abducted” in the statistics. If a musician is detained, prosecuted and then consequently imprisoned for the same incident of the violation is only listed as “imprisoned”. Artists who were imprisoned before 2012, but who are still in prison are only included in the statistics if their case was reviewed by Freemuse in 2012.

“Attacked” refers to an artist being physically attacked.

“Censorship” mostly includes songs or artists censored on radio stations or artists denied permission to hold concerts, but also incidents such as destructions of music shops. (The destruction of several music shops at the same time is only counting as one incident.) People being attacked or killed because they were listening to a certain kind of music are also regarded as a “censorship” incident.

The statistics do e.g. not include the serious situation for thousands of musicians in northern Mali, who are prevented from performing their music due to bans by Islamic fundamentalist rebels.

vendredi 1 juillet 2011

موقع الثقافة الشعبية في بناء الثقافة الوطنية




تضل العلاقة بين النخب إزاء التراث و عناصر الذاكرة الشعبية على وجه الخصوص في مجتمعاتنا العربية، علاقة فيها الكثير من الذاتية و العاطفة و التشنج بالمعنى السيكولوجي، و عدم الفهم المتبادل. و هذه العلاقة في الواقع تترجم حالة التذبذب مع الذات و أبعادها و مع الأنا و مكوناته، في ظروف تتسم بكثير من الولع بمظاهر الحداثة التي فرضتها حملات الغزو التجاري و العسكري و السياسي طيلة قرون المد الغربي الاستعماري، و أخيرا المد الاقتصادي و الثقافي خلال النصف الثاني من القرن الماضي. و لعل هذا تأتى مما كان يفصل بين النخب و العامة من هوة عميقة و انعدام التواصل و كذلك جانب من احتقار النخب للعامة و تحميلها أسباب التقهقر و التأخر.

لقد ساد في بلادنا خلال القرون الماضية حالة من القطيعة بين النخب -تقليدية كانت أو عصرية - و بقية السكان ،قطيعة يترجمها عدم اهتمام النخب و إهمالها الطبيعي للمعارف الشعبية و مهارات حرفها و تعابير فنونها. و هذه القطيعة المزدوجة بين النخب السياسية و النخب الفكرية و الدينية من جهة، و بقية السكان من جهة أخرى، ستشكل أهم العوامل المساهمة بصورة فعالة في تذرية البنية الاجتماعية للبلاد و الدفع بالسكان قهرا لمواقعهم التقليدية المتمثلة في العصبيات البدائية قبلية كانت أم طرقية. و أخذ اتجاه التذرية هذا نسقا أكثر سرعة مع الاحتلال الفرنسي بتحطيمه ما تبقى من الأسس الاقتصادية الهشة للبلاد، بذلك تتم التذرية الاقتصادية و تتأكد التذرية الثقافية. و لعله يبدو في غير محله، و الحالة تلك، الحديث عن مفهوم للثقافة بمعناه المتداول اليوم نظرا لغياب الدولة الوطنية و لأن العناصر المكونة للثقافة من آداب و فنون و إنتاج فكري و علمي لم تتوصل إلى درجة من التكامل و الانسجام و التوليف لتكون كلا مشتركا بين كل التونسيين – نخب و عوام - ليجدوا فيه خصائصهم الهووية. في الواقع إن تعابير النخب كانت منحصرة في حلقات منتجيها و متداوليها الضيقة، لا ترمي البتة للنفاذ لبقية الناس، و تعابير العامة كانت تُتًصور تنتج و تبث بفعل ما يعتمل داخلها و بفعل التأثيرات المتبادلة مع تعابير أخرى بصورة عفوية في ديناميكية و حركية أفقية في الأسفل، أما حركة التبادل و الإثراء من تحت-العامة- إلى أعلى- النخب- و من أعلى إلى تحت فهي منعدمة. نحن أمام منظومتان متباينتان تسيران جنبا إلى جنب في خطين متوازيين تتعايشان في تجاهل تام: من جهة نخب لا شرعية لها همها الوحيد حماية مصالحها حتى و إن كان على حساب البلاد و سكانها، و من جهة أخرى مجتمع في حالة ضياع تحركه العصبيات البدائية، (صف ضد صف، يوسف و شداد، حسينية و باشية...) و دافع البقاء و الدفاع عن النفس أمام جور نظام البايات و أعوانه، في زمن اتسم بانعدام الأمن و الاستقرار .

لم يكن في اهتمامات النخب قبل الحماية وحتى قبل الاستقلال التعرض بالبحث والدراسة و التعريف بالثقافة الشعبية. في حين اهتم عديد الرحالة ومختصي علم الاجتماع والاتنولوجيا أو حتى ضباط الاتصال الفرنسيين بعديد المظاهر من الثقافة الشعبية كالشعر والخرافات والأساطير أو الوشام وغيرها. ولم يحضى الأدب الشعبي بالطباعة إلا عن طريقهم في مرحلة أولى ثم عن طريق بعض الجرائد والدوريات التونسية القليلة كجريدة الزهو للحاج عثمان الغربي الذي كان بدوره من ناظمي الملحون.

أما على مستوى البث الاذاعي، وفي الفترة الاستعمارية كانت تخصص للثقافة الشعبية حصة أسبوعية يتيمة تقم من خلالها عينات ونماذج من غناء الملحون أو من الغاني البدوية المصاحبة بالغيطة وآلات الإيقاع، فالساهرون وقتها على حظوظ الاذاعة كانوا أغلبهم من نخب الحاضرة تستهويهم أكثر وصلات المالوف وما يتصل بها من البشارف والسماعيات والفوندوات إلى جانت ولعهم بالطقطوقة المشرقية أو الأغاني المعروفة بأغاني سيدي مردوم والتي كانت من اختصاص المطربات اليهوديات كحبيبة مسيكة ولويزة التونسية و من شابههن.

غداة الاستقلال لم تكن الامور لتتغير كثيرا في المجال الاذاعي وحتى على مستوى التوجهات الكبرى في تصور المشروع الثقافي الجديد رغم مجهودات أصحاب العزائم الصادقة وفي مقدمتهم المرحوم الاستاذ محمد المرزوقي. بل بالعكس برز توجه توظيفي للثقافة الشعبية سياسيا عن طريق برامج إذاعية من نوع قافلة تسير. أمَّا على مستوى الرؤية الاستراتيجية للثقافة الوطنية ضل التوجه مركزا على عناصر الثقافة كما كانت تبدو في البلدان الغربية التي استكملت تجانسها على امتداد قرون من الصراعات السياسية والاجتماعية والتحديث عن طريق نشر التعليم واستنتجت من ثقافاتها الموسيقية الشعبية أو من منظومة مسرحها الشعبي أو ما تم اقتباسه من الأعمال اليونانية اليوناني بنية ثقافية يتم حولها الاجماع بصورة تدريجية وتتسع باتساع نفاذ الطبقات الشعبية في المدن والأرياف للتعلم والمعرفة. في حين تواصلت الرؤية للثقافة الشعبية في بلادنا رؤية كولونيلية فولكلورية فيها الكثير من الامتعاض والاحتقار.

ليس من البديهي اليوم التغلب على ما يزيد عن نصف قرن من الدمار المتواصل للذاكرة الجماعية رغم ما تتسم به هذه الذاكرة من المقاومة الشيء الذي جعلها تتواصل عبر الأجيال داخل المجتمع الأسري في منافسة غير شريفة مع أشكال ثقافية مشرقية وغربية وعالمية و"تونسية هجينة" وشعبية مزيفة تتمتع بقوة الجهاز السمعي والمرئي. ليس من البديهي اليوم المحافظة على تفاؤل مفرط في إنجاز ما كان يجب أن ينجز منذ أكثر من نصف قرن، بعد ثلاثة وعشرين علاما الممنهج لكل ما هو عمل ثقافي حتى ذاك المحاكي والذي شكل رغم كل شيء البعض من المناعة للحيلولة دون الغرق في الرداءة.

غير أنه كنَّا قبل نهايات 2010 في نفس التشاؤم بخصوص إمكانية تغير الأوضاع السياسية في بلادنا لما آلت إليه الأمور سياسيا وأخلاقيا واجتماعيا وطبعا ثقافيا، ومع ذلك حدثت المعجزة...

لذلك أعتقد أنه لا محيد عن ادماج الثقافة الشعبية في بناء مشروع الثقافة الوطنية المستقبلية، فالأمر لا يتعلق يترميم بناء اعتراه الخراب بسبب الهجر أو عدم الصيانة، وإنما المسألة هي بمثابة إعادة بناء على أسس سليمة لسببين أساسيين:

السبب الأول داخلي محلي وهو الأساسي يحيلنا على قضية الارتداد وعدم الارتداد أي محاولة الإجابة على سؤال: هل باغ المشروع الثقافي للدولة الما بعد كولونيالية لمرحلة عدم الارتداد والتراجع أو التقهقر؟ هناك عديد المؤشرات ( اجتماعية، ثقافية، أخلاقية، تربوية...) التي تدل على أن الارتداد ظاهرة فعلية وأن سرعة الارتداد أكبر من سرعة التحصيل والتراكم.

أمَّا السبب الثاني خارجي عالمي ولا يقل أهمية وهو يتصل بمفهوم عولمة الثقافة وانهيار الحواجز التقليدية المكبلة للتواصل من ناحية و من ناحية أخرى لتحول الثقافة بمكوناتها اللامادية والمادية إلى جزء بالغ الأهمية في رقم المعاملات التجارية الكونية، وارتفاع فاعليتها القيمية بين البشر.هذا إلى جانب تضاعف أنماط التعابير الجديدة والقنوات والحوامل التي تنتشر عن طريقها.

كما يجب الانتباه لانتهاء زمن المعسكرات التقليدية والانتماءات القومية الضيقة والحمايات الاصطناعية، فالعالم انفتح على بعضه البعض الشيء الذي يجعل الصراع تتحكم فيه معطيات عديدة لا يمكن أن يقع فيها الحسم بالأدوات لتقليدية التي تجاوزها الزمن.

لا تختلف الثقافة الشعبية عن أي ثقافة في مكوناتها المادية منها واللامادية كما لا تختلف أيضا عن غيرها في معاييرها النقدية والجمالية، ولا تخلف كذلك عن غيرها في قواعدها وضوابطها. والأهم هو أن لا يمكن اعتماد أي مقياس أو أي تعليل يجعل من الثقافة الشعبية أقل قيمة أو درجة أو جمالا من أي ثقافة أخرى. ففصلها من منظومة الثقافة الوطنية لا يرتكز لأي شرعية و يمن اعتباره شكلا من أشكال التمييز والإبادة الفكرية.

ولا يعتبر وجود الثقافة الشعبية كافيا إذا كان من باب الصدقات والمنة عوض أن يكون من باب الاستحقاق الطبيعي.

والاستحقاق لايقف عند فضاءات الإعلام وأجهزته ، ولن يكتمل إلا بالنفاذ للمؤسسات التعليمية و مراكز البحث والتوثيق بعد أن تتم عملية استكشاف مبدعيه ومردديه وحافظيه بطرق علمية لتحوله من تعبير تلقائي إلى باب من أبواب المعرفة الانسانية

samedi 18 juin 2011

هل هناك مسألة أمازيغية في تونس؟




قطعا لا و لا يمكن أن يختلف اثنان حول هذا الجزم، إن تونس مع موريتانيا أقل الدول المغاربية كثافة سكانية أمازيغية فالنسبة ضئيلة للغاية و هذه الأقليات رغم انعزالها اجتماعيا لقرون طويلة انصهرت في المجموعة التونسية منذ استتباب الأمن بإفريقية عند قيام الدولة الحفصية، و مهما كانت محافظة على تقاليدها و نمط عيشها و مساكنها المعلقة في القرى الجبلية من مطماطة إلى عرقوب السعادنية جنوبا، أو القرى القريبة من قفصة بالسند و ماجورة، أو القرى الجربية سواء كانت من المعاقل الإباضية أم لا، لم يكن لها من الثقل الاقتصادي أو العسكري أو السياسي مما يؤهلها للمطالبة بالانفصال عن المجموعة “الإفريقية”. و لعل ما آلت إليه الصراعات المذهبية من مطاردة للإيباضية و عزلهم في الجزيرة للبعض منهم أو هروب البعض الآخر للالتجاء بجبل نفوسة، و استكمال التوحيد المذهبي في إفريقية تحت الحفصيين، لصالح السنة المالكية الأشعرية، مرحلة هامة لإتمام دمج العنصر الأمازيغي حتى و إن فضّل جزء هام منه البقاء على أرض أجداده في حماية الجبال الصعبة المنال من الغزاة.تعود آخر الهجرات الجماعية في أغلب الضن لبداية القرن الثامن عشر أثناء الفتنة الحسينية الباشية التي شهدت نزوح قرى: وني و سقدل و تفروت و ماطوس و بني قنديل و البريقة الكبيرة و الصغيرة. الموجودة جنوب الدويرات. و إن تأكد تاريخيا استقرار أهالي ماطوس بمنطقة مجاز الباب و البرقاوية في جهة سليانة ببرقو، و انصهارهم في المنظومة الاجتماعية لهذه الجهات، فيبقى مصير أهالي القرى الأخرى مجهولا.إذا أقررنا أن المتبقي من الخاصيات الأمازيغية لدى هذه الأقليات في اللغة، فسنجد أنفسنا أمام نسبة سكانية ما فتئت تتضاءل سنة بعد سنة و خاصة منذ الاستقلال نظرا لاستيعاب المدرسة التونسية العصرية لأجيال متلاحقة منذ 56 لهذه القرى النائية الشيء الذي يقلص من ثقل “لغة الأم” لصالح العربية أو على الأقل الدارجة التونسية. في حين اندثرت الأمازيغية نهائيا اليوم في كل من السند و ماجورة و قرية غير بعيدة من فرنانة (سوق الأحد) و لم يبق منها سوى بعض الكلمات اليتيمة يتندر بنطقها بعض الشيوخ و العجائز.لا ينكر أحد تاريخيا أن أهالي القرى الأمازيغية في الجنوب التونسي رحبت نسبيا بالوجود العسكري الفرنسي في سنوات 1882و 83 و اعتبرته من بوادر الأمن و الاستقرار لهم نظرا لما كانت عليها أمورهم منذ عقود خلت من الغارات و النهب. و كان توجه ضباط الاتصال الفرنسيين نحو كسب تعاطف المجموعات الأمازيغية على غرار ما وقع في مناطق القبائل الجزائرية فتوجهت نيتهم في بداية الأمر إلى تركيز مقر قيادتهم فرب قرية الدويرات بحكم أن تطاوين لم تكن موجودة في ذلك الوقت. غير أن هذا التوجه لم ينل رضا الأهالي، فوقع العدول عن المشروع نهائيا.و بالتالي و نظرا للحجم الضعيف للأقلية الأمازيغية لم تبرز مسألة أماريغية بالإشكاليات و التعقيدات التي هي عليها في الجزائر، بالرغم من اهتمام أحد رجال الدين الفرنسيين (الأب لويس) بالتقاليد و القرى الأمازيغية في أواخر الأربعينات و إلى الستينات.منذ الاستقلال تحاشت النخب السياسية الوطنية التعرض لهذا الموضوع و تمت مواجهته بطريقة جانبية بدفعها أهالي القرى الجبلية لمغادرة المغاور القديمة و التجمع في الملاجئ” حيث تم تركيز المدرسة و المستوصف و مركز البريد و ما إلى ذلك، كما فتحت هذه القرى الجديدة لغير الأمازيغيين -كلما تسنى ذلك- حتى تكسر حلقة انغلاق هذه المجموعات على نفسها و انطوائها.و بصورة عامة بقيت مسألة الأقليات الأمازيغية مسألة “فولكلورية” أكثر منها مسألة قومية و عرقية، و لم يكن للاتجاهات السياسية موقف سياسي منها إذا استثنينا القوميين العرب و البعثيين الذين بحكم رؤاهم يعتبرون المطلب الأمازيعي متناقض مع الهدف الاستراتيجي للوحدة العربية.على المستوى المغاربي وقعت معالجة هذا الموضوع بشكل متأخر للغاية، إذ في حين يشكل العنصر الهووي الأمازيغي بحكم اشتراك البلدان المغاربية فيه، دافعا للاندماج و التوحد، أصبح نزعة فرقة و انفصال عن المنظومة الوطنية خاصة في الجزائر نظرا للحيف الذي يشعر به أهالي هذه الجهات التي تعتبر أن ثمار التنمية لم تبلغها، هذا من جهة و من جهة أخرى التوجه ألقسري الذي يرمي لهيمنة التعريب الشامل على حساب اللغة الأم في هذه المناطق و اعتبار هذه اللغة يمكن الاستغناء عنها.كذلك الشأن في ليبيا التي ما زالت كل منطقة جبل نفوسة و قراها متشبثة بتقاليدها الأمازيغية و قع التعامل مع هذه التقاليد و اللغة بكثير من الرفض الشيء الذي أذكى لدى الجبالية مزيدا من الانطواء على الذات و تشبثهم باللغة الأمازيغية.و في الخلاصة إن السياسات التسلطية التي تلغي حقوق الأقليات مهما كانت عرقية أو دينية أو لغوية و مهما كان حجمها، هي في الأخير إقصاء و حذف لمكون من مكونات الوطن و ثقافته و تاريخه، و بالتالي خسارة للتنوع و الاختلاف. و مهما كانت التعلات و الأسباب الداعية لهذا التصرف، فهو غير شرعي و لا يرتكز على أي أساس منطقي. و التشبث بجزء مهما كان ضئيلا أو بغير ذي أهمية للبعض، من الهوية لغة كانت أم تقاليدا و الافتخار بها لا يحمل في طياته وجوبا نزعة انفصالية.و الجانب الأمازيغي من ذاتنا و تاريخنا يستحق الفخر و الاعتزاز به و هو مكون للانسجام الوطني و المغاربي. و لا مكان لفضاء ينفصل عن المنطقة المغاربية لتكوين كيان أمازيغي مستقل بذاته في زمن تسعى فيه الأمم للتوحد و اندماج اقتصادياتها في حين تتخاطب بأكثر من لغة و ينحدر أفرادها من أصول شتى.ء
ما يدعو للاستغراب في المدة الأخيرة هو ردود الفعل العدائية تجاه المطالبين بالحق في إثبات وتأكيد هويتهم وأصولهم الأمازيغية كشكل من لعتزاز بهذه الأصول و كرد فعل لسياسات التعتيم التي طالت ثقافتهم و هويتهم. فالكثير من الحساسيات "العروبية القومية" أو الاسلاموية تُنكر بشدة على المطالبين بحق سليلي الجماعات الأمازيغية حقهم حتى في التعبير عن حقهم في الانتماء والتميز وهناك من يذهب لإلى مواقف متطرفة تدعو للتصفية الفكرية ولربما الجسدية لكل من تسول له نفسه بالإجهار بأمازيغيته وكأن الأمازيغية أصبحت ضرب من ضروب الردة أو الانشقاق عن الأمة سواء كانت هذه الأمة عربية أو إسلامية.
في الوقت الذي قامت فيه الثورة مطالبة بالحرية والكرامة لكل التونسيين، يحلو لبعضهم وأحيانا بكل عنف تبني مواقف غير بعيدة عن مواقف أصحاب نضريات النقاء العرقي و ضرورة التطهير العرقي.

mercredi 23 mars 2011

في خلوة البيت الداخلي


إن ساعة المناخ الفصلي تلك التي توقع تداول الليل و النهار حسب تعاقب الفصول و المواسم الزراعية المتصلة بها، تعتبر الأقرب للساعة البيولوجية البشرية التي تنظم نسق حياة الإنسان بين ساعات النوم و ساعات العمل و الجهد و التعب و ساعات الاسترخاء للراحة و ساعات لم الشمل والاجتماع للحديث و تبادل التجربة و الترويح عن النفس. و الإنسان اجتماعي بطبعه في حاجة مستمرة للحكاية و الحديث إنصاتا و سردا، لذلك سمت لدى المجتمعات الأسرية قواعد و آداب للإنصات و السماع إلى مرتبة رفيعة و أصبحت تشكل صفة تميزها عن غيرها، فكانت شجرة الحكمة الباوباب عند الأفارقة أو الميعاد عند أجدادنا أو سهرات تخزين القات عند اليمنيين أو جلسات التحادث مع تدخين الغليون لدى الهنود الحمر. و تبدأ لدى الأطفال الرحلة التلقينية التي ستمكنهم من اختراق مراحل طفولتهم ، بالتدرب و النشوء على هذه القواعد و الآداب صمتا و إصغاء و تلقيا للنصح و الكلام، أو بوجوب انصرافهم من مجلس الكبار لأن الحديث لا يعنيهم، و فيما بعد بتدريبهم على الحديث في حلقة الأعمام و الأخوال للتفكه بطريف كلام الصبا و الطفولة في حنين لذلك الزمن العذب. و هكذا يتأثث لبنة لبنة بيتهم الداخلي ويتبلور كيانهم انطلاقا مما سمعوه من الآباء و الأمهات ، على نحو المثل الشعبي الذي يقول: من أدرك أباه فقد سمع ما قال جده . فتتصل حلقات التقاليد و تتسلسل الأنساب و الأجداد و تضل شجرة العادات خضراء بورقها ترتوي من سواقي الماء الحي الذي يسيل مع الأجيال دون انقطاع. و يكبر الصغار من أبناء جيلي في بداية الخمسينات، كما يكبر الأطفال في كل الدنيا على هذه الآداب وقد حماهم حسن الإنصات و السماع كما يحمي اللـِّبأ الرضيع، في زمن لم يطله بعد التلوث الصوتي و لا تضخم عدد أجهزة البث الإذاعي. فكان التراكم الذي يحصل لنا من أصوات الباعة و الأغاني و أنشودات السنوات الأولى من الدراسة و حكايات حلقات باب منارة و الحلفاوين و سوق العصر - أن سمح لنا بها- يتعدل بصورة طبيعية، فلا يبقى منه إلا ما كان يمكن ترديده و إعادة سرده. هكذا تكونت ذائقة جيل مختلف عن الجيل السابق فالمدرسة الحديثة بدرجة أولى ثم الشارع سيأخذان حيزا وافرا في بناء كيانه. و مع تقدم الأعوام تشكلت لهذا الجيل باختلاف الجهات التي ينتمي إليها أفراده وظروفه الاجتماعية و المادية المتباينة، خلفية ثقافية متجانسة نسبيا، تعبر عنها ذائقة أدبية و فنية و مسرحية و موسيقية متسعة، هذا ما مكنه من اختراق الأنماط و الألوان براحة تامة. لقد كان شباب الستينات يتجول في العوالم الموسيقية التونسية و الشرقية و الغربية و المعاصرة، و المسرح الكلاسيكي و الطلائعي و السينما بمختلف مدارسها و الأدب العربي و الغربي دون مركبات . لم تكن هذه الثقافة و الفنون مسلطة عليه تفرضها أدوات الاتصال و الإعلام،بل كان يدفعه لاكتشافها فضول فكري و نهم معرفي و تنافس في الألمعية ولـَّدها لديه مدرسون و أساتذة تحول الكثير في أعين ذاك الجيل إلى آباء روحيين و مثال يحتذا به . لقد كان هذا الجيل من كل التظاهرات الأدبية و المسرحية و الموسيقية: محاضرات طه حسين و نعيمة، مسرحيات رسين و موليار و شكسبير...كانت تكتض به القاعات و دور الثقافة و المسارح و سهرات مهرجان الجاز الدولي بقرطاج...هذا الجيل الذي نهل من آداب الإنصات و السماع البدائية، ضل يكتمل صقل ما تراكم له من الزخم الفني و الثقافي في نوادي السينما و الشبيبة المدرسية على أيدي أساتذة الموسيقى و المسرح و الرسم، في ديناميكية قلما توفرت من قبل بذلك الكم و الكيف، كان فيها الإنصات و السماع أمرا ثابتا لا محيد عنه.

و اليوم، في زمن سيطرت الصور و الأصوات تحملها الأقمار و تلج البيوت دون استئذان، و في زمن تدنى فيه ميعاد حديث الآباء و الأجداد و هم في حالة من الاسترخاء و التقبل لمواصلة ربط حلقة «من أدرك أباه فقد سمع ما قال جده» و استبدلت شبكة السرد و الرواية بشبكات التواصل الافتراضي و الهمس الصامت عبر الشاشات التي لا تتحمل الكلام المسموع، في زمن ارتفع فيه ضجيج الأشرطة و الكليبات بغير موجب و في غير محله، في زمن تراجع فيه الكيان المثبت للوجود و هيمنت قيم المظاهر الزائفة، وحل العنف اللفظي العاجز محل « التي هي بالحسنى » نتساءل بكثير من الحيرة و القلق هل نحن حقا آباء أطفالنا أم هم أبناء المشهد التلفزي بكل فضاعاته و أهواله؟ من أين سيؤثثون بيتهم الداخلي و من أين لهم مكوناته؟

في بعض الأحيان تفاجئنا الصورة التلفزية بلحظة من الإمتاع فنستعيد وقتها حالة الاسترخاء الطبيعي لاستعادة موهبة السماع و يعود الوجدان لينبض عندما نعيش إنشادا صادقا فنغالب العبرة الخانقة كي لا نكون «ضعافا» : باجدوب و الصويري و السفياني أسماء خرافية في دنيا الآلة الأندلسية المغربية. عندما يجتمع ثلاثتهم و حولهم جوق متميز يصبح الإنشاد بمثابة قداس يأخذ بمجامع القلب و الروح و العقل، ذاك هو الحال و الوجد الذي يعيشه السبعة آلاف متفرج الذين غص بهم فضاء مهرجان الرباط و مثلهم الواقفين خارجه لنفاذ البقاع . ترتقي علاقة الإنصات و السماع بين باجدوب و الصويري و السفياني و الجوق المرافق لهم من جهة و الجمهور الحاضر في القاعة و خارجها، إلى نوع الحميمة التلقائية يأخذ كل طرف بقسطه: الإنشاد للثلاثي و العزف للجوق و الترديد للجمهور الهادئ المستمتع. أكيد أن هذا التكامل و الانسجام يعطي الفنان أجنحة يحلق بها إلى أرقى منازل العطاء و التألق. لم أقو على صد قشعريرة حزن ساعتها رغم ما كانت تغمرنا بها السهرة من مشاعر السعادة حين شعرت برفرفة طيف سي الطاهر غرسة و قلت في سري: من سيعيد بعدك لنوبات الحسين و الذيل و رمل المايه بريقها و رونقها أم سنعود لنهمهم بلوعة و أسى:

آه علـى مـا فـات *** نـاري لـهـا وقود

هيهـات هـيهـات *** زمـن مضى يعود.

الأزمنة في تغير


منذ 14 جانفي 2011، مانفكت تأشيرات الأحزاب تتوالى ليصل عددها في الأيام الأخيرة ما يقارب 50 حزبا أي بما معناه 50 وجهة نظر وبرنامج سياسي واقتصادي تختلف بعضها عن بعض. لكن ما يثير الاستغراب و ما يجلب الانتباه هو اشتراك أغلبية كبيرة من هذه الأحزاب في غياب رؤية و مشروع ثقافي يبدو لي هو الركيزة الأساسية والسند الفكري لأي توجه سياسي واقتصادي كمقترح لمشروع مجتمعي لتونس والتونسيين لمرحلة ما بعد الثورة. كما أن هناك من التوجهات السياسية من يفصح بأشكال مختلفة لمواقف محددة من العمل الثقافي كما تعودنا الاتفاق عليه كتعبير للمشاعر والجمالية والخلق والابداع بشتى مظاهره.

يبدو أن قصر رؤية بعضهم واعتبار التعبيرات الثقافية مجرد تمرين للحبال الصوتية والتعبير الجسماني أو خليط من الالوان و تتابع للصور، يطرح علينا تساؤلات جدية ومهمة بخصوص صحية المدارك "العقلية" و توازناتها الضرورية لتحمل أعباء الاختيارات المصيرية للبلد ضمن الهيئات والمجالس المنتخبة في الأشهر القادمة.

إن مواصلة أجزاء لا يستهان بها ممن يتصورون أنفسهم من النخب، اقتناعهم امتلاك الحقيقة والمعرفة التي تبوؤهم موقع الوصاية على المجتمع باعتباره قاصرا، ديدنهم في ذلك ديدن نخب ما بعد الدولة الاستعمارية، ينبئ بالكثير عما ينتظر البلاد من الارتدادات المرتقبة والشبيهة بما عاشته في الماضي أو أشنع، إن لم يُعِدْ المجتمع باختلاف شرائحه العمرية والاجتماعية، بناء منظومة المناعة المواطنية الضرورية والكفيلة لنقلته من حالة القصور إلى حالة الرشد، و يرفع عنه كل أشكال الوصاية التي تصادر حقه في اختيار مصيره بكل حرية واستقلالية.



dimanche 3 octobre 2010

في خلوة البيت الداخلي


إن ساعة المناخ الطبيعي تلك التي توقع تداول الليل و النهار حسب تعاقب الفصول و المواسم الزراعية المتصلة بها، تعتبر الأقرب للساعة البيولوجية البشرية التي تنظم نسق حياة الإنسان بين فترات النوم و فترات العمل و الجهد و التعب و ساعات الاسترخاء للراحة و ساعات جمع الشمل والاجتماع للحديث و تبادل التجربة و الترويح عن النفس. و الإنسان اجتماعي بطبعه في حاجة مستمرة للحكاية و الحديث إنصاتا و سردا، لذلك سمت لدى المجتمعات الأسرية قواعد و آداب للإنصات و السماع إلى مرتبة رفيعة و أصبحت تشكل صفة تميزها عن غيرها، فكانت شجرة الحكمة الباوباب عند الأفارقة أو الميعاد عند أجدادنا أو سهرات تخزين القات عند اليمنيين أو جلسات التحادث مع تدخين الغليون لدى الهنود الحمر. و تبدأ لدى الأطفال الرحلة التلقينية التي ستمكنهم من اختراق مراحل طفولتهم ، بالتدرب و النشوء على هذه القواعد و الآداب صمتا و إصغاء و تلقيا للنصح و الكلام، أو بوجوب انصرافهم من مجلس الكبار لأن الحديث لا يعنيهم، و فيما بعد بتدريبهم على الحديث في حلقة الأعمام و الأخوال للتفكه بطريف كلام الصبا و الطفولة في حنين لذلك الزمن العذب. و هكذا يتأثث لبنة لبنة بيتهم الداخلي و يتبلور كيانهم انطلاقا مما سمعوه من الآباء و الأمهات، على نحو المثل الشعبي الذي يقول: من أدرك أباه فقد سمع ما قال جده . فتتصل حلقات التقاليد و تتسلسل الأنساب و الأجداد و تضل شجرة العادات خضراء بورقها ترتوي من سواقي الماء الحي الذي يسيل مع الأجيال دون انقطاع. و يكبر الصغار من أبناء جيلي في بداية الخمسينات، كما يكبر الأطفال في كل الدنيا على هذه الآداب وقد حماهم حسن الإنصات و السماع كما يحمي اللـِّبا الرضيع، في زمن لم يطله بعد التلوث الصوتي و لا تضخم عدد أجهزة البث الإذاعي. فكان التراكم الذي يحصل لنا من أصوات الباعة و الأغاني و أنشودات السنوات الأولى من الدراسة و حكايات حلقات باب منارة و الحلفاوين و سوق العصر - أن سمح لنا بها- يتعدل بصورة طبيعية، فلا يبقى منه إلا ما كان يمكن ترديده و إعادة سرده. هكذا تكونت ذائقة جيل مختلف عن الجيل السابق فالمدرسة الحديثة بدرجة أولى ثم الشارع سيأخذان حيزا وافرا في بناء كيانه. و مع تقدم الأعوام تشكلت لهذا الجيل باختلاف الجهات التي ينتمي إليها أفراده وظروفه الاجتماعية و المادية المتباينة، خلفية ثقافية متجانسة نسبيا، تعبر عنها ذائقة أدبية و فنية و مسرحية و موسيقية متسعة، هذا ما مكنه من اختراق الأنماط و الألوان براحة تامة. لقد كان شباب الستينات يتجول في العوالم الموسيقية التونسية و الشرقية و الغربية و المعاصرة، و المسرح الكلاسيكي و الطلائعي و السينما بمختلف مدارسها و الأدب العربي و الغربي دون مركبات . لم تكن هذه الثقافة و الفنون مسلطة عليه تفرضها أدوات الاتصال و الإعلام، بل كان يدفعه لاكتشافها فضول فكري و نهم معرفي و تنافس في الألمعية ولـَّدها لديه مدرسون و أساتذة تحول الكثير في أعين ذاك الجيل إلى آباء روحيين و مثال يُحتذى به . لقد كان هذا الجيل من كل التظاهرات الأدبية و المسرحية و الموسيقية: محاضرات طه حسين و نعيمة، مسرحيات رسين و موليار و شكسبير...كانت تكتظ به القاعات و دور الثقافة و المسارح و سهرات مهرجان الجاز الدولي بقرطاج...هذا الجيل الذي نهل من آداب الإنصات و السماع البدائية، ضل يكتمل صقل ما تراكم له من الزخم الفني و الثقافي في نوادي السينما و الشبيبة المدرسية على أيدي أساتذة الموسيقى و المسرح و الرسم، في ديناميكية قلما توفرت من قبل بذلك الكم و الكيف، كان فيها الإنصات و السماع أمرا ثابتا لا محيد عنه.

و اليوم و قد انحسر مجال حديث الأباء و الأجداد و هم في حالة من الاسترخاء و التقبل لمواصلة ربط حلقة «من أدرك أباه فقد سمع ما قال جده» و تراجع الميعاد الذي يجمع الشمل لتبادل التجربة، احتلت الشاشة محور المجمع العائلي المتقلص، و سيطرت الصور و الأصوات تحملها الأقمار و تلج البيوت دون استئذان، و استبدلت شبكة السرد و الرواية بشبكات التواصل الافتراضي و الهمس الصامت عبر الشاشات التي لا تتحمل الكلام المسموع . في زمن ارتفع فيه ضجيج الأشرطة و الكليبات بغير موجب و في غير محله، يغيب فيه الكيان المثبت للوجود و تهيمن قيم المظاهر الزائفة، ويحل العنف اللفظي العاجز محل « التي هي بالحسنى » نتساءل بكثير من الحيرة و القلق هل نحن حقا آباء أطفالنا أم هم أبناء المشهد التلفزي بكل فضاعاته و أهواله؟ من أين سيؤثثون بيتهم الداخلي و من أين لهم مكوناته؟

أحيانا تفاجئنا الصور التلفزية بلحظة من السحر والإمتاع فنجد وقتها حالة الاسترخاء الطبيعي لاستعادة موهبة السماع و يعود الوجدان لينبض عندما نعيش إنشادا صادقا فنغالب العبرة الخانقة كي لا نكون «ضعافا» : باجدوب و الصويري و السفياني أسماء خرافية في دنيا الآلة الأندلسية المغربية، عندما يجتمع ثلاثتهم و حولهم جوق متميز يصبح الإنشاد بمثابة قداس يأخذ بمجامع القلب و الروح و العقل، ذاك هو الحال و الوجد الذي يعيشه السبعة آلاف متفرج الذين غص بهم فضاء مهرجان الرباط و مثلهم الواقفين خارجه لنفاذ البقاع . ترتقي علاقة الإنصات و السماع بين باجدوب و الصويري و السفياني و الجوق المرافق لهم من جهة و الجمهور الحاضر في القاعة و خارجها، إلى نوع الحميمة التلقائية يأخذ كل طرف بقسطه: الإنشاد للثلاثي و العزف للجوق و الترديد للجمهور الهادئ المستمتع. أكيد أن هذا التكامل و الانسجام يعطي الفنان أجنحة يحلق بها إلى أرقى منازل العطاء و التألق. لم أقو على صد قشعريرة حزن ساعتها رغم ما كانت تغمرنا بها السهرة من مشاعر السعادة حين شعرت برفرفة طيف سي الطاهر غرسة و قلت في سري: من سيعيد بعدك لنوبات الحسين و الذيل و رمل المايه بريقها و رونقها أم سنعود لنهمهم بلوعة و أسى:

آه علـى مـا فـات *** نـاري لـهـا وقود

هيهـات هـيهـات *** زمـن مضى يعود.