Affichage des articles dont le libellé est تراث. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est تراث. Afficher tous les articles

lundi 26 février 2018

هل توصلنا حقا لبناء ما يسمّى "ثقافة"؟


أعتبر أن مفهوم الثقافة وقع تداوله بصورة مُحاكاة عمَّا هو متداول في الغرب عموما وخاصة في المصطلح الفرنسي، إذ لم تكن هذه العبارة متداولة عربيا بصورة عامة وتحديدا في بلادنا في النصف الأول من القرن العشرين، إذ كان مصطلح "الحياة الفكرية والأدبية" هو المستعمل للدلالة على حركية الإنتاج المكتوب من أدب وشعر وقصة ورواية وغيرها في بداية الأمر ثم تلاها مصطلح "الحياة الفنية" مع ظهور دور العرض على النمط الغربي لمشاهد الفرجة الموسيقية والمسرحية في مرحلة أولى ، ثم فنون الرسم على المحامل والرقص والسينما وانتشارها. ولم يتم تداول مصطلح "الثقافة" بما يحمله المفهوم من معاني وأبعاد معاصرة إلا بداية من منتصف القرن العشرين وتحديدا مع استقلال البلدان العربية، بعد أن كانت تعني طيفا واسعا من المعاني ترتكز أساسا على "الحذق" و"التهذيب" و"التربية" و"التعليم". فالمصطلح المعاصر والشائع في الحضارات الغربية هو نتاج لتراكمات في مجتمع ما تعبّر عنه بعديد الظواهر ويجد فيها جماعيا وأفرادا من عناصر الهوية ما يتميز به وما يميزه عن غيره وما يشعره بالانتماء والتعريف عن ذاته كاكتمال لمكون "الدولة الوطن" حتى وإن كان فيه من العناصر ما هو مشترك نسبيا مع شعوب مجاورة.
غداة الاستقلال في تونس، لم يكن هناك من العناصر الكافية والمتطورة ما يمكن اعتباره "ثقافة"، فضلا عما سبق الاستقلال من مرحلة تعسفية طالت الحريات الأساسية بالرقابة على الصحف والمنشورات. كل ما في الأمر هو شتات من الأنشطة الموروثة عن المرحلة الاستعمارية كمدرسة تونس للرسم، والإذاعة والمعهد الرشيدي وبعض الفرق الموسيقية والنحاسية والمسرحية والنوادي الأدبية والجمعيات كالخلدونية وقدماء الصادقية وبعض الرابطات الطلابية . كل هذا لم يكن له من الوزن ما يمكنه من بناء نسيج عناصر الثقافة. الثقافة  كما نُلاحظها في البلدان الحديثة، يُستنتج أنها نسيج متعدد المكونات، مترابطة فيما بينها بأبعاد نوعية في أغراضها، وأزمنتهت، وفضائاتها اي انه بإمكانها اختزال الأزمنة وتقريب الأماكن ومزج الأنواع تتخاطب في ما بينها عبر قنوات عدة.
في السنوات الاولى من الاستقلال، وبعيد فترة قصيرة من الاستبشار بالحرية، سرعان ما زُجّت البلاد في صراع "اخوي" وضعت شقا من التونسيين وجها لوجه مع شق آخر استيقظ على إثرها عفاريت الفتن القديمة "يوسف وشدّاد" وحسينية وباشية... كانت هذه الفترة اقرب منها لتفتيق مواهب النعرات الانتهازية منها لشحذ همم أصحاب العزائم الصادقة من كتاب وشعراء ومبدعين. كانت اقرب منها لحرب مواقع للاستيلاء والسيطرة على مواقع النفوذ في ما كان يبدو مراكز "إشعاع ثقافي"(الاذاعة، مصلحة الفنون الجميلة، الموسيقى، المسرح) هذه المراكز التي ستصبح مجالات نفوذ تتحكم فيها ومن خلالها الدولة لتتحول الى مجالات توظيف سياسي. وفضلا على عدم تحركها وتفاعلها في ما بينها كنسيج متكامل ومتداخل متفاعل، ضلت هذه المكونات في قطيعة تامة مع المجتمع مواصلة القطيعة القديمة التي ميزت وطبعت العلاقة بين الخاصة والعامة لا في بلادنا فحسب ولكن في اغلب البلدان العربية، عاشت فيها المجتمعات والنخب بمختلف توجهاتها ظهرا لظهر وفي تجاهل تام، يسود علاقتها في ما بينها العنف الصامت أو الصاخب في شكل حملات عقابية بدعوى تأديب "المفسدين في الأرض والسوقة والرعاع". وكما كان الخلاف البورقيبي اليوسفي أيضا، تعلة لتغييب المجتمع عن مواقع القرار واعتباره قاصرا، سيتواصل هذا النهج على اثر المحاولة الانقلابية سنة 1962 بالحد من حرية الصحافة والتنظيم السياسي بمنع الحزب الشيوعي التونسي. ولعل خاصية عشرية الستينات كانت التضييق التام على كل ما هو مختلف وغير " منسجم" ومنضبط مع توجهات الحزب الواحد والفكر الواحد والرأي الواحد. في هذا الرحم الغير متوازن، وفي العلاقة معه، ستنشأ اغلب مكونات ما سينعت بثقافة السبعينات، والتي نعتها بالعرجاء لعدم توافقها فيما بين مكوناتها، وتواصل قطيعتها مع المجتمع، وتجاهلها التام لمكوناته التراثية المختلفة والمتنوعة، وعدم استشرافها لما يهز العالم من متغيرات هائلة. فكانت في اغلبها تتحرك في تجاهل لما يحدث حولها وقبلها وبجانبها تستمد كيانها وشرعيتها من الدولة وتاتمر بأوامرها او تحيا بما تمن بها عليها لمواصلة بقائها في حالة "حياة سريرية"

samedi 27 février 2016

آش يتخبى وراء غناية يا خيل سالم باش روحتولي؟








على هامش حوار بيني وبين اﻷستاذ فراس الطرابلسي

كلمات القصيدة

ميزان: بورجيلة
طالع
يَا خِـيـل سَالـمْ بَـاشْ رَوَّحْـتُـولِي ***بَـانَـا وْجُـوهْ تْـقَابْلُـو قُـولُولِي

دور 1
بَــــاشْ لَـيَّ جِـيـــتُـو*** وَاشْ قُـولْـكُـمْ فِي الَّـذِي خَلـِّيـتُه

سَالِـمْ عْلَى الأعْـقَـادْ شَايِعْ صِيتُه*** يُـومْ البْرَازْ إِذَا صْـفَـنْ عَ الحُولِي

***
دور 2
مَـاذَا ارْكِبْ مِنْ عُــودَه*** وُمَاذَا الْحَـقْ مِنْ شَــابَّـة خَنْدُودَة

تِـتْـزَعْـِوِطْ الأعْــراشْ مِـنْ بَـارُودَه***كَـوَّايْ فِي الفِرْسَـانْ بِالمَفْتُولِي

***
دور 3
مَـاذَا ارْكِبْ مِـتْعَـنِّي *** دَايِـمْ عْلَى قَـرْنْ الْـجِـوَادْ يِـغَـنِّـي

مَآصْعَبْ فْـرَاقِـكْ يَا عْزِيـزِي حَنِّي*** مْـقَابِيـسْ نَارِكْ مَا بْـغُوا يِطْفُولِي

***
دور 3
مَـاذَا ارْكِبْ مِنْ سَـاسَـه*** يُـومْ البْـرَازْ مَـاذَا يِـبِـيعْ براسه

إِذَا زَغْـرِطِتْ مَكْحُـولْ هَـذْبْ نْعَاسَه*** تْعَـيِّطْ تْـنَادِي وِينْهُو مَخْلُولِي

***
دور 4
فِيكُومْـشِ مِنْ هُو نَـــاوِي*** فِيكُومْـشِ مِنْ هُو يِـرْكِـبْ الدرْنـَاوِي

فِيكُومْـشِ مِنْ هُو عْلَى الكْـبَـرْ يِلاَوِي *** فَتِّكْ عْليهْ مْحَبِّتِي وُوْصُولِي َ

***
دور 5
ما غـاضْـنِـيــشِ حَـالِي***ما غاضنيش فتن نهار مشالي

لَوْ كَــانْ قَـتْـلَـه حُـرْ دَمَّه غَالِي*** ما كنتشي نحتار في مفعولي *
·        وفي تسجيل مختلف تعيد صليحة مكب الدور 4: فتّك عليه محبتي ووصولي في الدور الخامس


·        تفصيل الميزان:
الأغصان
بَــــاشْ لَـيَّ جِـيـــتُـو*** وَاشْ قُـولْـكُـمْ فِي الَّـذِي خَلـِّيـتُه

سَالِـمْ عْلَى الأعْـقَـادْ شَايِعْ صِيتُه

المكب:

يُـومْ البْرَازْ إِذَا صْـفَـنْ عَ الحُولِي

تقطيع الغصن الأول بَاشْ لِيَ جِيتُو : الغصن الأول في البورجيلة المزيود عادة يتركب من 6 مقاطع صوتية في هالغصن التقطيع يعطي 5 مقاطع: با/شلِ/يَّ/جِي/تو  أي أنُّه عاطش بمقطع.
تقطيغ الغصن الأول من الدور ال الخامس 6 مقاطع: مَا/ غا/ضني/شِ/ حا/لي
تقطيع الأغصان الطويلة: يتركبوا الأغصان الطويلة في المزيود من 9 مقاطع صوتية:
وا/شقَو/لكم/فِلْ/لذي/خَلْ/لِي/تَه (8 مقاطع أي عاطش في مقطع)
سا/لم/ على/لَعْ/قاد/شا/يع/صي/تَه
شروح:

إذا َصفَنْ عَلْ الحُولِي: إذا شمَّر على رِدائه الصوفي المعروف بالحولي

ماذا ركب مِتْعَنِّي: كم مرة ركب متعمدا شيئا ما .

الدرناوي : فصيلة من الخيول العربية الأصيلة المجودة في مدينة درنة الليبية (هذا ما يؤكد أن القصيد له جذور طرابلسية)

ما غاضنيشي فتن نهار مشالي: لم أتأثر أو لم أتحسَّر على يوم معركة أو مواجهة ضاع مني و لم أشارك فيه




أول تلعثيمة تعرضنا هي عدم عثور القارئ الفضولي على نص محقق للأغنية   (أتجنب نعتها بالفوندو) بخلاف النص اللي مرفقه صديقنا على السياري للشريط على اليوتوب واللي مع هذا نلقاوا اللي المكب الأخير ماهوش مطابق للكلام اللي تغنِّي فيه صليحة. المسألة هاذي متاع الأغاني اللي انجموا نعتبروهم من كنوز تراثنا الغير مادي كأنها ما عندهاش قيمة ما دام يدخل الواحد على قوقل وما تعرضوش الراشيدية والا النجمة الزهراء والا مؤسسة من مؤسسات الدولة، عبارة على "بقرة ما عندهاش ذيل يهش عليها ربي" - هاذي ملاحظة عرضا- واﻷفراد اللي بمجهودهم والا بمدوناتهم والا بمواقعهم الجماعية كيف موقع سماعي بارك الله فيهم ناس متطوعين يقدموا في خدمات ومعارف وما عليهمش ملام كيف يكونوا مقصرين أما وقت ما نلقاوا من المؤسسة العمومية إلا الغياب وعدم اﻹكتراث فمعنى هذا أن عملية تدمير الدولة اللي متداولة بكثرة ماهيش تهيؤات ومحض خيال اما واقع مافيه حتى شك وكانك على الوزرة بجيوا ويمشيوا ويعلقوا النواشن وباخذوا اﻷموال والتشريفات وفي اﻷخير اللي يقعد في الدار يدي الكراء!

المسألة الثانية هي بخصوص ما تم اﻹتفاق عليه بتسمية الفوندو واللي والـّى اليوم عبارة على مصطلح منزّل ما عاد فيه حتى شك والا تشكيك المشكل يكمن في وقتاش حدث المصطلح متاع الفوندو وفي أي وسط وفي أي وثيقة؟؟؟ كتاب الصادق الرزقي اللي نحبوا والا نكرهو نعتبروه الوثيقة "المرجعية" في تاريخ الموسيقى التونسبة ما فيه حتى ذكر للفوندو واﻹشارة اللي جات في صفحة 241 تعليقا على تميت نم المخاليل ماهيش للصادق الرزقي ولكن للهيئة اللي أشرفت على "تحقيق ونشر" كتاب اﻷغاني التونسية. وكيف نرجعوا لما تم الاتفاق على تسميته بالفوندوات (وما نعرفوش اشكونهم اللي اتفقوا والا وقتاش ولا علاش وما هي صلاحياتهم العلمية) يحب يقول شوشانة ونميت وآه على ما فات واللي الرابط بيناتهم هو التراث اﻷندلسي من شيرة، و البخنوق وفراق غزالي ويا خيل سالم ويا مقواني اللي الرابط بيناتهم هو الغناء المحلي (Autochtone) التونسي ما نفهمش أشنية الصلة بين هذا وهذا! وإذا كان نلقاوا في البخنوق وفراق غزالي ويا مقواني بقايا ترنيمات (مهاوي) وإيقاعات الملازيم التقليدية، فبالنسبة لياخيل سالم المسألة بعيدة ياسر سواء من ناحية الترنيمة المطبوعة باﻵهات الغير التقليدية والا من ناحية الإيقاع المدور حوزي اللي يجعل من يا خيل سالم من الغنايات العويصة على السامع الموزيكجي فما بالك على الهاوي.

المسألة الثالثة تتعلق بالبنية الشعرية للقصيدة عديد اﻹشارات تخلبنا نرجّعوا اللي القصيد من أصول طرابلسية والا على اﻷقل من أشعار الجنوب والقاسم المشترك بينه وبين فراق غزالي ويا مقواني أنه جاء في ميزان بورجيلة أما الفرق الوحيد والمحير أن يا خيل سالم من نوع البورجيلة المزيود والمزيود عنده خاصية تقريبا في كل مدونة الشعر الشعبي يتكون من طالع وأدوار فيهم أربع أغصان ومكبين، ويكون الغصن اﻷول من 6 مقاطع صوتية (syllabique ) ونعبر عليه ب 6/6، في حين فراق غزالي ويا ماقواني من نوع البورجيلة بوساق اللي يتكون من طالع وأدوار فيهم ثلاث أغصان ومكب واحد ويكون الغصن اﻷول(فراق غزالي أو يا مقواني) من أربع مقاطع صوتية 4/4. المشكل في يا خيل سالم أن اﻷغصان اﻷولى في اﻷدوار الكل متكونة من 6 مقاطع صوتية وهي خاصية بورجيلة المزيود في وقت اللي الدور متكون من 3 أغصان ومكب بحيث لا جاء 4/4 ولا 6/6 وإنما 6/4 يحب يقول 3 أغصان ومكب وغصن أول ب 6 مقاطع!!! التساؤل اللي يطرح نفسه هو أولا كيفاش هالفوندو فيه هاللخبطة الكبيرة يا هل ترى نقصوا منه غصنين وعلاش؟ والا تزاد في أغصانه اﻷولى كلمة بمقطعين: باش، ماذا، وفيكمش وعلاش؟

كل هالتسؤلات تخليني نشك في الطابع القديم للأغنية إضافة أن "المهذبين"ماكانوش معروفين باﻹستقامة واﻷمانة العلمية والتاريخية بحيث كل ما تصادفهم حاجة ما تتماشاش مع قيمهم وذوقهم وأخلاقهم يخدموا الجلم وما عندهم حتى قضية متع تأنيب ضمير والا أمانة تاريخية. فبحيث من وجهة نظري كل الفرضيات واردة بخصوص الفوندوات وكيفما صار في مدونة نوبات المالوف كل شيء ينجم ياقع في هالمسمى فوندو وضروري باحثين اليوم يعطيو ضربة كبيرة في عش النمل اللي إسمه الموسيقة التونسية.

vendredi 4 décembre 2015

الساحات العمومية وساحات الأسواق الأسبوعية واستمرار أشكال الفرجة التقليدية في نهاية العهد الاستعماري





            كنت أشرت في كتابي حول سيرة المزود في تونس، عن تأثير الأشكال الفرجوية الأوروبية، وانتشار قاعات العروض"المواجهتية" البناءFrontal)) على التعابير التقليدية أشكالا وفضاءات ووظيفة.
تشترك تونس والجزائر والمغرب، حتى إلى ما بعد منتصف القرن العشرين في أشكال الفرجة التقليدية العمومية المبنية على مفهوم الدائرة أو "الحلقة" التي تحدد مساحة تحرك مؤثثي العرض سواءا كانوا حكواتيين أو منشدين أو بهلآوانيين أو من مروضي الأفاعي أو القردة، في دائرة يتحدد قطرها بما يسمح به الفضاء العمومي من ناحية وما تجلبه الفرجة من مشاهدين وما تتطلبه الفرجة من مساحة  لتحرك منفذي العرض.
         وفضاء الحلقة هو الفضاء العمومي الثالث لأشكال الفرجة العمومية بعد فرجة المقاهي سواء كان صاحب الفرجة حكواتيا أو منشدا وعازفا موسيقيا، وفرجة خرجات الزوايا الصوفية وما يتبعها من الطقوس المتوالية سواء كانت في الطريق العام من مسجد أو مقام إلى زاوية، أو في صحن الزوايا  أو داخل إحدى غرفها.
وإذا كانت الفرجة العمومية في المقاهي أو فرجة الخرجات الصوفية فيها نوع من الإلتزام الذي "يجبر" المنخرط فيها للمشاهدة بحد أدنى من الاستهلاك لما يباع في المقهى من مشروبات من ناحية وأن يكون من أتباع تلك الطريقة، فإن فرجة الحلقة لا عقد فيها يجبر المتفرج بأي مقابل مادي أو لا مادي. فالفرجة مبنية على علاقة طلب الإحسان والصدقات مقابل "إبداع" ما: غناء أو حكيا أو براعة بدنية أو ألعاب سحرية أو غيرها.
أسماء كثيرة وشهيرة علقت في ذاكرة صبانا  من الصعب أن تمّحي لما ارتبط بها من أشياء كانت بالنسبة لنا من الخوارق. بين عم جلول الذي يستخرج الأوراق المالية من وعاء قصديري أجوف لا قاع ولا غطاء له، أو "الحايرة" الذي كان يعاقب بطنه بضربها بصخرة صلبة لا لشيء إلآ لأنها كانت كثيرة التشهي والشهاوي لذاك أسماها بالحائرة، أو الثنائي المغربي بائع زهم النعام ذلك الدوتء العجيب لكل الأمراض.... أو عازف الكمنجة سلآك الواحلين....
في بداية الخمسينات وتحديدا في مرحلة المواجهة بين الحركة الوطنية الممثلة بالحزب الحر الدستوري التونسي والسلطات الاستعمارية، انتشر في الساعات العمومية نمط جديد من "المقاومة الثقافية" المتمثلة في ترديد بطولات المقاومة المسلحة والفلاقة للقوات الفرنسية من خلال أشعار تنخرط في امتداد لأشعار المقاومة الشعبية إبان الاحتلال الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر، أو فيما بعد في سنة 1911 إبان الاحتلال الإيطالي لليبيا وأحداث الجلآز أو في 1915 عند اندلاع ثورة الجنوب وغيرها من الأحداث.
ومن خاصية هذه الأغاني والأشعار كونها تخفي أو تتستر على اسماء مؤلفيها لأسباب أمنية وقد لاحظت ذلك في أغلب أشعار سنوات 1881 وما بعدها. في حين يصر شعراء آخرون على إمضاء أشعارهم كالشاعر الكبير محمد الصغير الساسي والحبيب عبد اللطيف أو الهادي بن سليمان أو الفيتوري تليش أو عبد الرحمان الكافي.
ومن الأحداث التي حظيت باهتمام الشعراء والمرددين والمشاهدين مقتل الزعيم النقابي فرحات حشاد من خلال قصيدة:" كيف جانا خبر المامات قصدنا ربي في فرحات" أو نفي الزعيم الحبيب بورقيبة من خلال قصيدة:" بالله يا طيارة البيضاء بورقيبة وين هزيتيه
                   هزيتيه صبي صغير  رجع الشيب منڤر فيه"
أو مسألة الاستقلال من خلال قصيد مطلعه:
بورقيبة والبي اتكلم خبر طاهر بن عمَّار
قال نايا موش مسلم حتى يخرج الاستعمار

وكان هؤلاء "المنشطين" والمهرجين الشعبيين محل مطاردة قوات الأمن الفرنسية في بداية الخمسينات  وتواصلت لما بعد الاستقلال لتحولهم إلى "وسيط" إعلامي شعبي في الخلاف الدائر بين الشق البورقيبي والشق اليوسفي، إذ أن كثير من الشعراء انخرطوا في الصراع لكل منهم الشق الذي يناصره.
مع احتداد المطاردات والمتابعات وتضييق الخناق على "مهرجي" وغناية وبهلواني الساحات العمومية، تراجعت هذه الأشكال العمومية بصورة كبيرة إلى أن انقطعت بانقطاع التواتر وموت ذلك الجيل من الفنانين الشعبيين موتا ماديا ولامادي بعدم الاهتمام بمنتوجهم من الأشعار والحكي الشعبي والبراعات المختلفة، في حين سجلت المغرب ساحة جانعالفناء بما تعج به من الإبداع البشري ضمن التراث الإنساني.

mercredi 25 novembre 2015

لا تراث لمن لا حداثة له




حتى إلى زمن غير بعيد، كنت متشبثا شرسًا بمسألة التراث الغير المادي والذاكرة الجماعية وبضرورة الحفاظ عليها من التلف والنسيان وتسخير القنوات الملائمة لتنميتها وإعطائها مجالات الظهور على الحوامل والوسائط الإعلامية المعاصرة، لدرجة أن اختزل العديد صورتي بنوع من "طبَّال الحومة" أو "أمين الطبابلية"، ورغم ما تحمله هذه الصورة من الأبعاد السلبية والدونية، ما كنت لأنزعج منها وربما بالعكس كنت أشعر بكثير من السعادة والشرف أن يلتصق اسمي بهامات إبداعية شعبية ذات أبعاد خرافية.
غير أنه وخاصة بعد أحداث ديسمبر 2010/ جانفي 2011 وما انجر عنها من تغيرات ظاهريا، وأهمها حرية التعبير سرعان ما تبين أن الأمور بقيت على ما هي بالنسبة للرؤى والتصورات والفهم وتاريخ البلاد وعلاقة العباد بها وعلاقتها ببقية العالم وبالحداثة. وكان طبيعيا أن تطرح مسألة التراث الغير المادي سواء رسميا أو إعلاميا، ومع طرحها تقشع كل ذلك الضباب القديم من التبريرات التي سادت قبل 2011. مما أجبرني على إعادة النظر في عديد المسلمات خاصة وأنا بصدد جمع شتات كتاباتي المختلفة في هذا المجال قصد تأليف يتعرض بالتعريف والدرس والشرح لمجمل ما وقع الاتفاق على تسميته بالتراث الشعبي التونسي.
ومن أهم ما توقفت عليه، من خلال ملاحظات عرضية تتصل أساسا بمشاغلي المهنية السابقة – وهي هندسة الإنشاءات المعدنية- هو أن كل نشاط إنساني مهما كان نوعه وطبيعته يرضخ لقانون "التقادم" الذي يهدده بالفناء والاندثار، ولنقيضه قانون التجدد والتطوير الذي يكسبه عمرا جديدا كما يكسب ما يَـنْـتُـج عن ذلك النشاط البشري قيمة مضافة جديدة هي إلي تُحدد حتمية انتهاء المُنتج القديم وطرق إنتاجه وأساليبه وانقضاء صلاحية المعارف المتصلة به لتحل محله معارف جديدة محينة تتطابق والمُنتَج وينتج عن هذه المعارف معارف فرعية يتقاسمها الناس تقبلا أو نقدا أو رفضا ينتج عنها بالتأكيد تغيرات كبرى لذائقتهم.
وتبعا لهذا، يبرز جليا أن أن الحداثة هي حركة بشرية في دوافعها وفي نتائجها، وإن ما يحصل من تغيرات في أنماط الإنتاج والمنتجات ليست سوى تظاهراتها الخارجية  للتعبير عن المرور من نمط إنتاج تقليدي يفقد طاقة مقاومة التقادم، إلى نمط إنتاج حديث يحمل طاقات جديدة للتحيين والدوام النسبي.
وبطبيعة الحال لا تمر هذه العملية دون صراع بين دعاة النمط القديم والنمط الجديد، صراع يدوم ما يقتضيه انتشار المعارف الجديدة أو المحينة بين الناس منتجين للمنتج أو مستعملين كانوا أو مستهلكين.
 ولإن انحصرت عملية التحديث في الأزمنة القديمة – أي ما قبل التنوير وتحرر العقل البشري من الخرافة- بين سلالات من الحرفيين يتوارثون أسرار المنتجات (المادية وغير المادية) وطرق الإنتاج الشيء الذي حال دون انتشار المعارف بين الناس وخاصة منع من تداولها بحرية فكر نقدي، فإن مرحلة ما بعد التنوير مكّنت تحويل المعارف من باب المحفوظ والمنسوخ والحاكي إلى باب المشروح والمعلل والمحسوب بمختلف القواعد الفيزيائية والرياضية والبيولوجية إضافة إلى ما برع فيه الرسامون من استعادة لخصائص الأشياء والأحياء والجماد والأصوات ومختلف الظواهر.
ولعل انتشار المعارف طباعة وتدريسا وتدوينا ونقدا هو ما ساهم في تسارع نسق التحديث وتطوره بتحرر الفكر البشري التجريبي بعد أن تحرر من القيود الدينية  على امتداد قرون من الصراعات مع قوى الكنيسة وكهنوتها.

يتبع

mardi 14 avril 2015

من تقاليد رعاة الإبل التهيليم.





التهيليم-جمع الإبل إلى الماء-تطاوين

 

عندما كنا صغارا، وبدأنا نتدرّب على حفظ المحفوظات أو الأناشيد، كنَّا نعطي لما يجب علينا حفظه ترنيمات وألحانا تسهل علينا عملية الاستذكار، من ذلك أن ما كنا نردده كان موزونا بإيقاعات غريبة شأننا في ذلك شأن أطفال الكتاتيب في حفظهم لسور القرآن وهم يحركون أجسمهم في حركة من الخلف إلى الأمام والألواح أمام وجوههم تقوم مقام رجوع الصوت الخارج من أفواههم ليعود إلى آذانهم فيزيد في رسوخه في حافظتهم. نفس الصورة شاهدتها مرارا في البيعات الصغيرة المنتشرة في حارة الحفصية وسيدي مردوم، أين يجتمع صغار اليهود بين أيدي أحبارهم لتلقينهم التوراة...
وكلما اجتمعنا في ما بيننا لمراجعة ما علينا حفظه في بيت أحدنا، إلا وأثرنا ضجة تنزعج منها أمهاتنا، فتقمن بنهرنا بعيدا في السقائف أو في غرف منزوية حتى لا نفسد عليهن ما كـُنَّ يتجاذبنه من أحاديث أو استظكار حكايات البلد البعيدة أو أشعار الأجداد وأغانيهم. وكنت أذكر أمي أو إحدى جاراتها وهي تقول بتأفف " ما هذا التهيليم المزعج"... ورسخت كلمة التهيليم في ذاكرتي ومنها قمت باشتقاق فعل "يهيلم" منها ,اصبح من العبارات المحببة إلي أستعملها كلما عنّ لنا أن ننشد أو نغني أي كلام...
ومع تقدم الأعوام اكتشفت الاستعمال الأصلي لدينا أهل الجنوب لعبارة التهيليم ومحتواها وهي طقوس رَي الإبل على الآبار بعد غبها لمدة طويلة. وفي هذا السياق يقول صديقي المرحوم محمد الناصر بالطيب في كتابه حول بن قردان في باب سقي الإبل:
" وفي هذا الفصل أي الشتاء، تفضل الإبل رعي النباتات المالحة المجاورة للسباخ "لشارب" وذلك لحاجة عظامها للكالسيوم، زملوحة هذه النباتات، تجعلها في حاجة للضراب دائما حتى قال الشاعر زيدان ألول –وهو من الرعاة المشهورين- "شرابك كل يوم كثير عليّ" وذلك لأنه يتعبه، "وشرابك يوم بعد يوم كثير عليك" لأنه يعرف حاجتها الأكيدة للماء. (وهذا القول يشبه قول الفلاحين حول مطر: الزرع في مارس يقول المطر كل يوم ياسر ونهار بعد نهار شوية). ولذلك يجتمع الرعاة وأصحاب الإبل ويتعاونون على ريِّها "على غبْ"  ولبعث الحماس في بعضهم يغنُّون و"يهيلمون" مثل قولهم:
دَلْو الشَّلواشْ *** ما يسقيهاش
دَلْو الشنّة *** ما اسمحْ غناه
جِتْ تسارِبْ *** صُفْر عقارِبْ
مِعْزايا سُود *** وِرْدُوا عنقُود
هيّا سيدي *** عِينَكْ لِيدي
ملظومة لظام[1] *** وبيض عظام
تبغي لجنِف[2] *** للجَبْد ألفْ
تبغي ليمَن *** للجبْد أقمن[3]
ناقة فطـُّوم *** عل البير تحوم
ناقة داداي *** داعوها جاي
تشرب من ماي *** ناقة فطـُّوم
عل البير تحوم *** حلفت بالصوم
لا نرَوِّى اليوم *** تبغي جغموم
جَلـَّاي الشـُّوم *** يقعدلك دوم.
رحم الله الأستاذ محمد الناصر.
وحتى لا ينقطع حبل التهيليم يردد الرعاة أثناء جذبهم للدلو من أعماق البئر، عبارات: أهمُّو مية، آهُم آها، آهُمْ آهَيْ.
ولكل جهة من جهاة تربية الإبل كلامها في التهيليم حسب ذائقتها الشعرية كقولهم
أهمُّو مية *** أهأ هو هية
أو هاحُم ههاء حُم
أو إيدك والحبل
إلى آخره من الترنيمات الموزونة.
وفي السنوات الأخيرة اكتشفت أن التهيليم ليس حكرا على رعاة الإبل بل يجد جذوره في الطقوس الدينية اليهودية فالتهيليم بالعبرانية تعني الإنشاد[4] من ذلك أن لليهود إنشاد يومي لمدة معينة.


[1] منظومة نظام
[2] اليسرى
[3] أتقن
[4] Psaume

dimanche 30 novembre 2014

بازين رجيشي وجهويات وبنة أخرى




الشيء اللي متأكد منه من برشة ناس يحبوا يعطيونا دروس في التاريخ والجغرافيا وجهات البلاد، هو أنهم أصطك وأبهم الناس في هالقلم.  وبينوا محدوديتهم في برشة مناسبات، وما نيش باش نزيد نصعبها عليهم كيف نجبد على تعدد أنواع طبيخنا في بر تونس البية اللي ما يغلى عليها شيء. لأنه كان نجبدوا هالباب يظهر الفقر المدقع متاع هالنوعية متاع البشر اللي لاهم في العير ولا في النفير.
       الحاصل نمشيوا لجوهر الموضوع،  أنواع العصائد والعيش والبازين متعددة وكل واحد وحسب جيهته يقولك عصيدتي والا عيشي والا بازيني سخون. هالأكلة هاذي من باب المستحيلات السبعة أنكم تطلبوها في مطعم والا عند طباخ ويحضرهالكم.
       على الفايس بوك الحديث مع الأصدقاء والصديقات يجبد بعضه ومن كلمة لاختها وصلنا للبازين ومن زمان تلاقيت مع ناس من جهات مختلفة وما كنتش نتصور اللي البازين اللي اشتهرت بيه والدتي يرحمها ينجم يكون موجود في جهات أخرى. ومن الجملة باش نحكيلكم هالطرفة. والدي الله يرحمه كان كعاك ويخدموا معاه بناي عمه وخوه واولاد اخته الحاصل عائلة وحدة، وأمي كانت تحضرلهم الفطور وفي أغلب الأحيا كنت المكلف بتوصيله من دارنا لمحل الوالد. نهار كان الغداء عيش بالمرقة وصلت القفة اللي فيها ماعون العيش وماعون المرقة وتلموا الرجال على القصعة وقام واحد من حمومتي وقالي :
-       سكر الباب لا يرانا حد متعدي يقول أشبيهم الجماعة توحشوا
بالطبيعة العبارة توحشوا فيها ازدواجية المعنى بين الوحش والحنين للبلاد وأغلب الجماعة كانزا يعيشو في الحاضرة 6 أشهر بعاد على عائلتهم ونساهم، التوحش يحكم اللي الماكلة باليدين وكيف يتلموا الرجال على قصعة يبداوا ذراعك يا علاف.....
       حديثي كان مع الصديقة ليلى على البازين من كيفاش تعملوه قالتلي البازين الرجيشي يعملوه بالدرع.-جماعة الضعاف في الجغرافيا زعمة يعرفوا رجيش وين تجي؟؟؟-
 من بديع الصدف أني رجعت وتعديت لرجيش كيف كنت في ضيافة صديقي سي البشير في سلقطة المهم رجيش وقصور الساف وسلقطة وسيدي علوان وهيبون وبهيرة وسيدي بنور وعميرة الفحول، بكلها في أحواز المهدية العاصمة الفاطمية، ورجيش تجي بين سلقطة والمهدية على طريق البحر.
نرجعوا للبازين الرجيشي اللي هو يتعمل بولد البحر وبالتحديد بالمرجان والبوكشاش يحب يقول الرسكاس واولاد البحر يعرفوا اللي هالنوعين من السمك يبننوا المرقة ويلذذوها وطعمتهم مع البلـّم في المرقة خير من اللي مشويين والا مقليين.

 هاذي وصفة المرقة:

تتعمل تقلية للطماطم في الثوم (وما يجيش فيه الرُّشد أي البصل) تتملّح التقلية وتتفوح بالكمٌّون والفلفل الأكحل والهروس المفظخ اللي هو فلفل شايح يتهرّس بالهرَّاسة الدياري مهروش  ويقعد بلا زيت وبلا ماء. بالطبيعة الهريسة المفظخة والا الفلفل زينة الحار والا الحلو حسب الذايقة متاع العائلة والوكال، ثمة اللي يحبها تُصمط بالحرارة وثمة اللي يحبها ناقصة. بعد التقلية يتم المرقان بالماء السخون باش تتنحى قروضية الطماطم المعجونة، وانت نتصور اللي اهلنا في رجيش كانوا يطيبوها بالطماطم المشيحة  والآ الخضراء المعصورة قبل ما تدخل عليهم طماطم الحكك، ويترمى السمك كيف تاخذ المرقة غلوتها باش يشد بعضه وما يتفرتش وتقعد العين عليه وبالسكينة باش يتقام من الطنجرة حَبر ما يطيب، على خاطر المرقة ما زالت تحب الغلو على هداوة نارها باش ينقص ماها وتقر يدامها لدرجة أنها بعد ما تخثر وتوللي عاقدة كيف صالصة المقرونة تتسمى من بعد الدهان.
نتلفتوا للبازين،  الدرع يتثرّد (يحب يقول يتعصد والا يتخبز كل حد كيفاش يسمِّي في جيهته)  بالثرَّاد كي العصيدة والا العيش، أمَّا يواطوه من فوق النار طري وناقص كبسان قالك على خاطر الدرع نشَّاف ويشيح وييبس.أكثر من السميد.
يتحط البازين في معجنة الفخَّار التقليدي مكنية والا نابلية ويترطب بالشوية بالشوية ويتصب فوقه المرق ويتحط ولد بحر في ماعون على جنب وتتوكلو على الله بعد ما تغسلوا يديكم لأن الماكلة باليدين فيها حاجة من أبواب اللذة ال.......
نهار آخر نحكيلكم على بازين الصفاقسية وبازين أمي عليها رحمة الله وبازين الليبية.