vendredi 31 janvier 2014

يا مـا حلا الفنجـال مـع سيحة البـال لراكان بن حثلين

راكان بن حثلين (1815-1892)
شاعر وفارس قبيلة عجمان



يا مـا حلا الفنجـال مـع سيحة البـال *** فــي مـجلسن ما فيــه نفس(ن) ثقيـله

هـذا ولــد عـم وهـــذا ولـد خال *** وهذا رفيق مـا لـقـيـنـا مـثـيلـه

يـا لـيـت رجـال يـبـدل بـرجــال *** ويا ليت فـي بــدلا الـرجاجيل حيله

يـا بـو هـــلا طير الهوى خبث البال *** الطـيـر نـزر والـحـبــارى قـليله

يـا الله يـا الـلي طـالبه مـا بـعد فال *** يا اللي مــن الضـيـفـات نجى دخيله

أفــرج لـمـن قـلبه غـدا فيه ولوال *** والنوم ما جـــــا عـيـنه الا قليله

لا مـن ذكـرت ارموس عصر لنا زال *** شـوف الـفياض وفقد عـــز القبيله

يـا زيـن شدتهـم آليـا روح الـمـال *** يتلـون بـراق حــقــوق مـخيلـه

يســقـى خصيـفا والثمان أرضها سال *** مـرتـع معطره السيــــوف الصقيله

عـجـمـان لا ركـبـوا على كل شملال *** يفرح بهم راعـــى الـنـياق الهزيله

مـن جــو سـاقـان إلى السيف همال *** وينوش حسنــــا والـرديـفة هميله

ولا قــادنـا مـن يـمـه الـقفر خيال *** يـصـبح شديد البدو عــــجل رحيله

قــاد السـلـف واستجنبوا كل مشوال *** والعصر يا محـلا تخيبـط نـزيــلـه

وإن شرف البادي عـلى روس الأقـذال *** والـمـا كـثـر الـــزول زود جفيله

تـلافـحـت مـا بينــا شهـب الاذيال *** ومن ضيع الـــمفتاح يـا عـزتى لـه

ركـبـوا على طوعاتهم كــل عيــال *** وكل لبلج يحـرى بـكــــسب النفيله

تـغانـموا المـفزاع ذربيـن الافعــال *** مـن قبـل تسبق غارة تنثنـــى لـه

يبغون طوعـه روسـهن قبل الادمــال *** وتـغانمـوا خلف كــثـير هـجيلــه

وحال الكمى مــن دون عطرات الاجهال *** ومروا ولحقوا مقحــمين الدبيلــــه

واللــى تريض عقبهم يلبـس الشــال *** من صنــع داود دروع ثقيــلــــه

يلزم عليهم علة عـقب الانـهــــال *** ومن غارته لـزم يـضيع دليـــلــه

والدم مـن قحص الرمـك يثعل اثعــال *** يزعج عــلى وروك السبايـا وشيــله

هـذى براعيها مـن المعرقه مـــاله *** وهـذى شكـلها مطرق مــا تشيــله

من وقـع كـل مجرب قدله افـعـــال *** وفـروخ صـاد الحبارى فـصيــــله

ولـيـا ركبنا فوق عـجــلات الازوال *** وبايمنـا حـدب السيوف الصقيلــــه

ومـا حـن نحسب لا شتـبك عج واكتال *** وتـرك صـبى يفتنع بالفــشيــلــه

وصلاة ربي عـد مـا زايـــــل زال *** على نبى الحـق راعـى الفــضيــله

mardi 28 janvier 2014

آش يفيد الملام في قلب المضام للحاج عثمان الغربي

video


من شعراء الحاضرة مولود عام 1870 و خالط الادباء الكبار و سمع منهم و اتشغف بالغنا و الشعر و زيد متعلم بدا تجربته، وهو أول من عطى مكانته للادب الشعبي كيف أصدر جريدته "المضحك" عام 1911، في وقت ربما كانت الدنيا ما فيها شئ يضحك. وبعد ما وفات الحرب العالمية الأولى خرّج جريدته الشهيرة و المعروفة في الأوساط الفكرية و الشعبية التونسية "الزهو"، اللي كانت مقسومة شئ عربي بالفقهي والشئ الآخر بالفلاقي وجزء كبير من الموروث الشعبي التونسي ما رى المطبعة بعد اعمال بعض الباحثين و الرحّالة كيف الألماني فان شتوم و الا صونّاك الفرانساوي، إلا عن طريق جريدة الزهو اللي نشرت مالجملة للعربي النجّار وأحمد بن موسى وأحمد ملاك وعبد الرحمان الكافي وغيرهم. 
وهالجريدة كانت عندها ميزة طول هي الوحيدة اللي تتميز بيها، أنها ما تتطبع كان على ورق ملون موش كي بقية الجرايد على ورق أبيض الشئ اللي يخلليها سباقة في باب المركتينق بحكم حتى اللي ما يقراوش يقولو للبياع أعطينا الجريدة الغبرة و الا الخضراء.
والزهو من الجرايد التونسية اللي عندها دوام وعمر طويل في وقت اللي المغامرة الصحفية تعتبر باب من بيبان الفلس وقلة التدبير وثمة جرايد ما تدومش لأأكثر من ثلاثة وأربعة أعداد. جريدة الزهو توقفت عن الصدور عام 1963 وقت اللي الضحك ولـّى مزعج ويقلق شوية.
القصيد اللي اخترتهولكم هو من أجمل ما غنات المرحومة بنت دشرة نبّر صليحة و من ألحان الشيخ خميس الترنان. القصيد جا في ميزان الموقف المربع الخفيف و اللي أهم أنه في نظمه نلقاو آثار الخيال الشعري الحيطي يحب يقول اللي مربوط بالحواضر وكذلك نلقاو فيه الترصيع اللي يحبذوه شعراء القرن التاسع عشر ببعض الألفاظ اللي هي من الفصحى وهي اللي اللوغة كذلك اللي نلقاوها في بعض المراسلات و الا المذكرات كيف مذكرات علالة بن الزاي. من الكلمات المرصعة في هالموقف: نلقاو وجد وسجام والأنام والثغر وليس وكم والخصر والذمام.
و نلقاو كذلك فيه تشابه كبير في الصور و المفردات الشعرية الشائعة في الملحون المغربي غند الغرابلي والشريف بن على والمدغري وقدور العلمي، الشئ اللي يأكد على وحدة المنابع الجمالية و القيمية للتراث الشعبي المغاربي.


آش يفيد المــــلام *** في قلب المضـام
اللي ملكو وجد الغرام *** و الداعي حرقـو
*

و ساهر طول الظــلام *** ما يهجع و لا ينـام
  و دموع عينه سجــام *** على الخدود دفقــو
*
و قلبو بين الأنــام *** من ليعته هــام
 ليس صبت نجّــــام *** و سقامي ما عتقــو
*
من طلعو كما الاعلام *** بغثيث ريش نعام
 و جبينها في الظلام *** سيرني برقــو
*
و حواجب يا سلام *** كيما نونين أقلام
و عيون مثل السهام *** في قلبي رشقــو
*
و خدود ورد انـام *** مفتق من الأكمام
و الثغر بابتســـام *** يا ماحلى نطقــو
*
و رقبة جدي اريام *** بجماله رجــام
و الخصر و الحزام *** ورد على ورقــو
*
القــد كالاعـــلام *** في عسكر و قــوام
  يرعى و ليه الذمام *** جل اللي خلقـــو
*
سحرني بأميــام *** صابر كم من عــام
نقرا مني الســـلام *** على الناس  إن عشقــو

jeudi 23 janvier 2014

أصل الغناء ليه نظمان




للعربي النجَّار
الميزان: موقف مربَّع عريض
الغرض: أحرش
أصل الغناء ليه نظمان *** في لهجة الصُّوت ميزان
لا يزيد لا يخٌصْ نُقصَان *** والطـَّبْع خانه بخانه
***
ليه الذي شيخ نبهان *** أديب من أدبة زمان
بفصِّل الشعر بيبان *** بتفاكرُه والفطانه
---
ماهوش لبليد الآذهان *** داخل قبالَه بجهلان
هو وسعفاه عصيان *** من جبل خارج اريانَه
---
لا صوت لا ريق يبنان *** لا دفوع بملافظ حنَانْ
في مبلغ العلم شيطان *** لزَّه الليله وجانا
---
ما طاح كان وين يطمان *** لا منع من هم ثعبان
أرقط حال ذات نهشان *** صايل ملبلب لسانَه
---
كما سيف نهار الافتان *** مولاه تيتوح شجعان
يزهر كما صيد غضبان *** شرّع كفوفَه شحانَى
---
من يغشمه يصير طشَّان *** متفرك مثيل رمَّان
ما يفيدشي فيه جبران *** لو يجوه طبَّه قرانَه
---
لاني على سطو ثعبان *** لا صيد بالكفْ طعَّان
آنا الذِي نغُرْ كيسان *** ترياق للي بدانا
---
ونكويه من فوق الأكنان *** بمحَاورْ صهيد نيران
قُدَّامْ غنجات الأعيانْ *** يُجْلادْ بالخٍيزرانَه
---
بميتين من يد انسان *** من سعفتي متين ذرعَان
لين يتركَه باكم لسان *** داهش مغَيِّب اذهانَه
---
وبذكير كلآب طليان *** نجمع زروصَه والآسنان
ونزيد حتَّى النيبان *** بالعنترَه والشهانَه
---
وفي رقبتَه نجعل قران *** من غُلْ بسلاسل متَان
لاجل انُّه شيخ رعيان *** ما يعرف الآ الدُّوانَه
---
نورِّيه تَو المعفان *** كيفاش بالكف لطمان
خدِّيه وقليع الاوذان *** قُدَّام لمَّه حذانا
***
ونخَرِّجُه زُنْط عريان *** من عرس ربخات الآعكان
دمعه على الخد سكبان *** مذلول في كُبْر هانَه
---
ونحوز العرس حوزان *** باسعاف من ضنوة البيزان
وناخذ من الغيد الارهان *** للوصل خافي بيانَه
---
وانَّال منهم بطربان *** ملقاهم بغير خوفان
في غاسق ظلام يدكان *** حوّزت كَمْ من فلانة
---
وآنا الذي جمع الآوطان *** مُشَاد فيهم شهران
العربي النجَّار فطـَّان *** أديب صاحب رصانه
---
سلامي على كُلْ شُبَّان *** وشيوخ كبرى ونسوان
ما شيِّر خطيف الآمزان *** في سحاب غلـَّق اركانَه
---

mardi 21 janvier 2014

الشعر الشعبي التونسي بين الرقي والتراجع من خلال تحولات التعبيرات الغنائية.



مدخل:
       يعرف شيوخ الأدب الشعبي و منشدوه الشعر الملحون بعبارة تختزل بصورة شاملة هذا الفن بقولهم : الغناء معنى و قافية و سبب و كثيرا ما تأتي هذه العبارات منفردة أو مجتمعة في سياق القصائد عند كبار الشعراء أمثال بن موسى و النجار و العياري و غيرهم.
 و انطلاقا من هذا التعريف و ما يحمله من أبعاد متعددة تولد لدي وازع أول لطرح العلاقة بين الشعر الشعبي في فترات أوجه و تراجعه مع التعابير الغنائية من خلال تطور هذه التعابير خلال القرن الماضي. و أما الوازع الثاني فهو ناتج عما نلاحظه من المد الجارف لمظاهر الأغنية الجديدة الشبابية أو الراقصة أو المصورة أو تلك المحسوبة ظلما على الفن الشعبي- و هذا الفن منها برئ-  هذا المد الذي بجعلنا و يجعل السامع المنتبه يتساءل :
·       ما علاقة هذه الأغاني بغناء أهلنا ذاك التعبير البسيط الفذ في آن واحد، ذاك التعبير الذي يحرك وجدانهم و يسكب دمعهم و يهز مشاعرهم و أحاسيسهم إلى درجات من التجلي و السعادة التي تنسيهم هموم الدنيا و أتعابها ؟
·       ما علاقة هذه الأغاني بـ المعنى و القافية و السبب أي قيم تحملها في خبايا أغراضها و أي معان  يزخر بها باطن كلامها وظاهره، و أي بناء عبقري يتجلى من قوافيها ؟
·       هل هذه هي الأغنية التي نطمح إليها اجتماعيا و ثقافيا و التي تترجم بصدق عنا و عن هويتنا ؟
·       و أخيرا هل حققت هذه الأغنية الإضافة و التقدم النوعي لما كانت - و ربما مازالت عليه - التعابير الغنائية و الشعرية لدى أجدادنا ؟
مقدمة:
هذه الأغنية التي فرضت هيمنتها على سوق السماع الموسيقي و الشعري و سوق الفرجة العامة و الخاصة ليست من فصيلة « الجيل العفوي » و إن تبوءها لهذه المكانة على أجهزة البث المسموع و المرئي و على جميع أصناف الحوامل من أشرطة و أقراص و اسطوانات ليس من باب الصدفة و إنما هو نتيجة تتابع حدثي طويل و بطيء للتحولات الاجتماعية من جهة، و للتغيرات الحاصلة في التعابير الغنائية تحت تأثيرات عدة في بلادنا خلال القرن المنقضي.
 من تعابير لأقليات  تعيش  بصورة هامشية في بداية القرن العشرين، بدأ هذا الغناء شيئا فشيئا يكتسح الفضاء الاجتماعي في المدن الكبيرة حيث الوجود الأجنبي  و الجالية اليهودية و خاصة بتوفر قاعات العرض المختلفة و الحانات إلى جانب انتشار الفونوغراف و فيما بعد بداية البث الإذاعي و دخول المذياع لبعض البيوت. هذا الاكتساح سيأخذ وجهة لا رجعة فيها و طابعا أوسع و أشمل بعد الحرب العالمية الثانية.
سنحاول انطلاقا من تحديد موقع هذه  الأغنية منبتا ثم إنتاجا و توزيعا من خلال المتغيرات التي مست التعابير الغنائية التقليدية عبر التحولات الاجتماعية الوقوف على أسباب مد الأغنية الجديدة على حساب التعابير التقليدية و تراجع إسهام الشعر الشعبي عموما و الغنائي منه منذ سنوات طويلة في اقتراح و بلورة أغنية تونسية جديدة و متناغمة مع ذاتها.
 
1.    تونس في القرن التاسع عشر: تذرية اجتماعية و تذرية ثقاقية.
          « تونس هذا البلد الشمال الإفريقي الصغير بلد لا حدود واضحة له يسمى إيالة تونس أو الإيالة يبدو منطقة في حالة ذوبان تامة. الدولة في قطيعة شاملة مع أهل البلاد بحكم أن الباي و المماليك الذين يحكمون تونس وقتها كانوا غرباء عنها. مؤسس الدولة حسين بن علي سنة 1705 كان مسيحيا مرتدا من أصل يوناني... و المماليك الذين يختار الباي منهم الوزراء و المقربين هم أيضا من أصول أجنبية يونانية أو شركس. لذلك كانوا يتصرفون كأجانب و باستثناء خير الدين كان هؤلاء لا يهتمون بالمصلحة العامة بل بالعكس كانوا يستغلون مناصبهم للإثراء. و أكثر من أي وقت مضى تحولت الدولة بين أيديهم إلى أداة لاستغلال السكان و نهبهم »
هكذا يصف الدكتور علي المحجوبي[1] تونس في القرن التاسع عشر. و لعل هذا الوصف يعبر بوضوح حالة القطيعة بين النخب و بقية السكان منذ قرون، و يبين مدى عدم اهتمامها و الاحتقار الكبير الذي توليه للمعارف الشعبية و مهارات حرفها و تعابير فنونها. و هذه القطيعة المزدوجة بين الدولة و النخب من جهة و بقية السكان من جهة أخرى ستشكل أهم العوامل المساهمة بصورة فعالة في تذرية البنية الاجتماعية للتونسيين و الدفع بهم قهرا في مواقعهم التقليدية المتمثلة في العصبيات البدائية قبلية كانت أم طرقية.
ثم جاء الاحتلال الفرنسي ليعطي لهذا الاتجاه نسقا أكثر سرعة بتحطيمه ما تبقى من الأسس الاقتصادية الهشة للبلاد، بذلك تتم التذرية الاقتصادية و تتأكد التذرية الثقافية . – و لعله يبدو من غير المعقول الحديث في هذه الظروف عن مفهوم للثقافة بمعناه المتداول اليوم نظرا لغياب الدولة الوطنية و لأن العناصر المكونة للثقافة من آداب و فنون و إنتاج فكري و علمي لم تتوصل إلى درجة من التكامل و الانسجام و التوليف لتكون كلا مشتركا بين كل التونسيين يجدون فيه خصائصهم الهووية.في الواقع إن تعابير المجتمع أو السكان تُتًصور تُـنتج و تُـبث بفعل ما يعتمل داخلها و بفعل التأثيرات المتبادلة مع تعابير أخرى بصورة عفوية في ديناميكية و حركية أفقية في الأسفل و أما حركة التبادل و الإثراء من تحت-العامة- إلى أعلى- النخب- و من أعلى إلى تحت فهي منعدمة. نحن أمام عالمين متباينين يمشيان جنبا إلى جنب في خطين متوازيين يتعايشان في تجاهل تام:
·       من جهة نخب لا شرعية لها
·       و من جهة أخرى مجتمع في حالة ضياع تحركه العصبيات البدائية (صف ضد صف \يوسف و شداد \ حسينية و باشية...) و ضرورة البقاء و الدفاع عن النفس أمام جور نظام البايات و أعوانه و حالة عدم استقرار الأمن .
فمن الطبيعي أن لا تساعد هذه الظروف على حماية التعابير الفنية من مخاطر الافتقار و التلاشي و فقدان صفاتها الأصلية. و ينطبق هذا على كل المعارف التقليدية من حرف و عمارة و تصنيع ناشئ، هذه المعارف التي انهارت بسبب التبعات المدمرة للاستعمار الاقتصادي الذي أغرق السوق بمنتجات المصانع الفرنسية و الأوروبية.

الشعر الشعبي التونسي بين الرقي والتراجع من خلال تحولات التعبيرات الغنائية. ح3
2.   مكونات التعابير الغنائية التونسية؟
يمكن أن نعتبر بصورة إجمالية و دون الدخول في التفاصيل الدقيقة، أن التعابير الغنائية التونسية –شعرية و موسيقية- مكونة انطلاقا من رافدين أو رحمين مؤسسين استوعبا و أثريا و بدرجات متفاوتة الترسبات التي سبقتها:
·       الرافد المشرقي و هو الرحم الهلالي( ق 10و11 م) ذو الطابع البدوي.
·       الرافد المغربي و هو الرحم الأندلسي ( ق 15و16 م) ذو الطابع الحضري.
مع الملاحظة أن هذين الرافدين تشترك فيها كل المنطقة المغاربية.
أ / الرحم الهلالي هو المولد للمدونة الشعرية الشعبية المعروفة بتسمية الملحون في كل من ليبيا و تونس و الجزائر و المغرب و الحَسَّاني أو لـُغْنَا في موريتانيا، بتعابيرها الغنائية  الملحمية (  Epique) و الإنشادية (  Lyrique) و التي ستنتشر بقدر انتشار و توغل القبائل الهلالية في بلدان المغرب و التي ستتخذ من فضاء البوادي و الأرياف مجال ازدهارها و تطورها في حركة لامتناهية من الترديد و التكرار الفرح ( Répétition  jubilatoire) لحلو النظم الحامل لمجمل القيم الأخلاقية و الجمالية و الاجتماعية التي يتقاسمها أحفاد رياح و سليم و زغبة و دريد و أثبج و غيرها من بطون القبائل العربية. و سيتلون الشعر الملحون و إنشاده بتلون اللهجات الدارجة و أصوات الغناء المتداولة بين الناس من ذلك أننا نلاحظ تقاربا كبيرا شعرا و أغراضا و إنشادا في كل من الغرب الليبي و تونس و الشرق الجزائري من ناحية الموازين و البحور، في حين نجد تقاربا كبيرا نسبيا أيضا في المغرب الأوسط و الأقصى، بينما يتميز النظم و الإنشاد الحساني أو لـُغْنَا بطابعه الخاص .
و مهما تباينت الموازين و طرق الغناء فإن الأغراض و الخيال الشعري و المخزون اللغوي المنحدر من الفصحى و الصور الشعرية و القيم التي يحملها الشعر الملحون تضل القاسم المشترك بين الشعراء.
هكذا، شيئا فشيئا سيشمل الملحون المدن و الحواضر لتزدهر فنون القول و الغناء فسميت « بالموقف » في عديد الجهات بتونس و « بالمحزوز » أو « محجوز » أيضا في الشمال التونسي و الشرق الجزائري و «بالحوزي» و «بالعروبي» و الشعبي في وسط و غرب الجزائر و «بالصحراوي» في الجنوب و «بالملحون» و «بالقريحة» بالمغرب الأقصى. و لمعت أسماء فحول الشعراء في كل المنطقة و على سبيل الذكر لا الحصر في المغرب أمثال المصمودي و المغراوي و مثيرد و ولد أرزين و العلمي والمدغري و الغرابلي و بن سليمان و بن حساين و منشديهم أمثال بنغانم و الشليوي و العوفير و السلاوي و التلالي و غيرهم كثيرون و في الجزائر أمثال الشيخ بنحمادي و سعيد المنداسي و احمد بنتركي و لخضر بن خلوف و بالسويكت و بن سهلة و بن مسايب و مصطفى بن ابراهيم و من المنشدين أشهرهم على الإطلاق الحاج محمد إيدير ألمعروف باالشيخ العنقاء و مصطفى ناظور و عبد الكريم دالي و دحمان الحراشي و الهاشمي قروابي و عبد القادر شاعو و غيرهم.
و يتناول الملحون في كل من المغرب و الجزائر ثلاث أطباع رئيسية: المشرقي المتداول قي الشرق المغربي و الجزائر ، و مكسور الجناح السائد ببقية المغرب و المزلوك المتداول ببلاد السوس و الجنوب، إلى جانب هذه الأطباع نجد في الجزائر لهجات صحراوية متعددة و فيها القريب من اللهجة المتداولة في جهة الجريد التونسي و خاصة تلك الموجودة بواحات  الواد و وارقلة و تقورت.

3.   الملحون التونسي منظومته و وظيفته الإجتماعية:

  3.1- لمحة تاريخية :

في غياب الوثائق المكتوبة و الإهمال الفادح لمؤرخي و محدثي القرن التاسع عشر (ما عدا بعض الرحالة و المستشرقين أمثال Sonneck و  Van Stumme و Antonnin Borg  في القرن العشرين) لهذا الجانب من الآداب الشعبية، لا تعود بنا الذاكرة الجماعية واعتمادا على  حكايات الرواة و المرددين إلى ما قبل القرن 19 في حين نجد في الجزائر و المغرب عديد الدراسات و المراجع التي تبرز أسماء و آثار تعود إلى القرن 15. ورغم المجهود الجبار الذي قام به المرحوم محمد المرزوقي  فالكثير من الأشياء و الأسماء غمرها النسيان و طالت آفة التلف و الضياع و التهريب إلى المكاتب الأجنبية العديد من الكناشات و السفائن المخطوطة. يؤكد أغلب الرواة أن أوج الملحون كان في عهد دولة أحمد باي المشير الذي فيما يبدو كان مولعا بالشعر الشعبي و بسماع إنشاده وكان يجمع حوله الشعراء و الغنّاية في محافل «  بعلي » و اشتهر من بينهم أغزرهم إنتاجا و الأكثر حفظا لدى الرواة أحمد بن موسى  و منافسه منصور العلاقي في بلاط أحمد باي، حيث نظم هذا الأخير مسابقة بينهما في نوع الأحرش تمت بفوز بن موسى بقسيم الشين الشهير و الذي اعتبر فيما بعد بمثابة الزاوية أو الملاذ لكل شاعر يُحس بالغلبة في مساجلة من نوع الأحرش.
ويعتبر الكثير من المغرمين بالشعر الشعبي حفظا و ترديدا و دراسة أن الأربعة الكبار من بين فحول تونس هم أحمد بن موسى  و أحمد البرغوثي  و أحمد ملاّك و العربي النجار، و لقد حفظت الذاكرة أسماء العديد فحول القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين من كل الجهات بفضل مردديهم من الغناية و من بينهم الطالب محمد العياري و دبيرة و العيدودي و الدليوي و بوسيف و اللوز و الرويسي و الامام و عبادة و صالح بن يوسف التمزرتي و الحماص و الزغبيب وعزيز الهلالي واللطيفي و قاسم شقرون و ابية وبوزيان و عمر الكافي. و لا تكاد تكون جهة من جهات تونس إلا و لمعت فيها أسماء الشعراء و الغناية، وإن كان لبعض الجهات من العطاء أكثر من غيرها شعرا متانة و غزارة، و لا نغالي إذا أقررنا بأن أقرب الشعر و الشعراء للنمط الأصلي أغراضا وبناء وخيالا هي الجنوب التونسي عموما و تحديدا جهة نفزاوة، لقربها من البيئة الأصلية لأصحاب هذا الشعر الأوائل، و لنقاوة لغة أهلها ولالتصاقهم بحياة البداوة و انسجامهم الكامل معها.

3.2 المنظومة :

يمكن القول أن منظومة الشعر الملحون اكتملت خلال القرن التاسع عشر من الناحية الهيكلية و أن ما وصلنا من ذلك الشعر و ما انتج خلال القرن الماضي و ما زال ينتج اليوم لم يغير من هذه المنظومة التي ما زالت مبنية من ناحية الدفع أي - الإلقاء غناء- وفقا للنماذج الأربعة الأساسية و هي « الموقف » و « القسيم » و « المسدس » و « الملزومة » أو «السوقة »، والتزاما بمختلف الإيقاعات أو الموازين المتفرعة عن كل أنموذج كالمربع و المبطوح و المقطوف و المحدور والعرضاوي و الروشن و العوارم و المغراوي و السعداوي  و العريض و العيدودي و البورجيلة وغيرها، و هي بالأساس إيقاعات يـُوقًّـع بها الغناء. و يتخلل النماذج أثناء الدفع و الإنشاد مقاطع و أبيات من نفس السياق و الغرض و النص اللحني تسمى « طوالع » أو «عروبيات » .

3.3- الوظيفة الاجتماعية للتعابير الغنائية :
في القرى و الحارات عند العروش  و القبائل و داخل المجتمع الأسري، تـُوكل مهمة و وظيفة إحياء احتفالات الأفراح و المناسبات، لعازفين و مغنيين و شعراء من الهواة أو المحترفين لصنعتهم، مشهود لهم ببراعتهم و بخبرتهم بفنهم ومعرفتهم بقواعده. ويعتبر تتطابق سجل عزفهم أو إنشادهم أو شعرهم و توافقه مع رغبة سامعيهم و مشاهديهم و ترقباتهم،  الشرط الأساسي لتبوء منزلة القول غناءً أو شعرا والمدخل للشهرة و الشيوع ، و يتم هذا في علاقة مباشرة لا وسيط فيها . و من خلال  هذه العلاقة تتبلور ذائقة السامعين ، و ترتقي فنيات المغنيين و الشعراء، و هكذا ينمو حس السامعين ذوقا وسماعا و يتطور فن المبدعين عزفا  و رونقا غنائيا و خيالا شعريا. فيؤسس المتلقون والباثون جنبا إلى جنب  تقاليدهم في إجماع تام،  لتحفظها الذاكرة للتاريخ و للأجيال اللاحقة، في حلقات الترديد و التكرار الفـَـِرحِ  و مواسمها. حينئذ تخرج هذه التعابير و تـُفلِت من وصاية منشئيها و مؤلفيها لتحتضنها المجموعة كتعبير لها و  نابع من ذاتها، و يتم بذلك ثراؤها و تنتقل من مجموعة إلى أخرى مخترقة المناطق و القبائل لتتحول من تعابير محلية إلى تعابير جهوية أوسع، مكونة بذلك عنصرا للهوية و للذات.  و هذا التطور في الأغاني و التعابير الشعبية هو تطور بشري إنساني طبيعي تشهده كل المجتمعات الأسرية لما قبل الحداثة. و لا يتم ارتقاء هذه التعابير من طابعها الجهوي أو المحلي البدائي ليكتمل انسجامها إلا بفعل و مجهود النخب من جهة و المبدعين الشعبيين من جهة أخرى في تضافر للجهد و تفاعله يتوق إلى إثراء العلوي من التحتي و التحتي من العلوي، و يعتبر هذا التفاعل و هذا المجهود الضامن الحقيقي للانسجام الثقافي، كما أن الانسجام الثقافي هو الناتج المنطقي للانسجام الاجتماعي ، و هذه مسألة أخرى.
ولا تقتصر التعابير الغنائية على مناسبات الأفراح، فغناء النسوة المنهمكة في معاناة أشغال بيوتها أو في الحقول و البراري ، و ترنم الباعة المتجولين يمدحون بضاعتهم، و آهات العمال في المدن و الأرياف، و صيحات البحـارة يصارعون الموجة العـاتية، و أنات المتسولين المتضورين طوى، و غمغمة أغاني « القلاديمة » الزنوج الأعجمية، و تعديد النوَّاحات يبكين عزيز أفل، ودعابات الأطفال و هم يلعبون مرددين أغانيهم البسيطة، كلها أصوات متمايزة متعددة تـُوَقـِّع الساعات و الأيام و الفصول و الأعوام. النساء و الرجال لا يقوون على تحمل وزر الأحزان و الشقاء، و لا موجة الفرح و السعادة الجارفة دون أن يـُبـَلـِّغوا ما يهزهم من أحاسيس الشجـن و الغبطة و ما يحرك الوجدان بتعابير يصوغها من كان فيهم أبلغ و أشجى و أفصح أعني شعرائهم و مغنييهم .

3.4 الشعر الملحون كتعبير غنائي:

كما أوردنا سابقا، يعود الفضل بقدر كبير في تواصل حياة قصائد الشعر الشعبي للمرددين  الغنَّاية أو "الأدبا"(جمع أديب) كما يسمون في عديد الجهات، و تتلون أصوات الغناء بحسب لهجات  الجهات و ما تراكم فيها من ترسبات سابقة و تأثيرات متداخلة فتتكون النغمات و تسمى مهوى أو نص أو صوت أو طبع. و هذا التلون و الاختلاف هو تلون و اختلاف للأذواق شأنها شأن اختلاف الأطعمة و المذاقات، فنجد اللون الحيطي المتداول في المدن مثل تونس و المكنين-رغم الاختلافات الكبيرة بينهما- ، و اللون الساحلي و المثلوثي و العبيدي و الركروكي و القبلاوي و الشهيدي و الطرخاني و الجندوبي و الطواحي وغيرها من الأصوات المنتشرة في البلاد.
و هذه عينات على سبيل الذكر لا الحصر.
و على الرغم من تباين المهاوي أو اللهجات الغنائية من جهة إلى جهة، فإن الأغراض بلا شك تضل القاسم المشترك بين ألوان الملحون التونسي ، و ربما كان نوع الأخضر أي الغزل هو المحبب لدى كل الجهات، و تبقى الثلاثية : البرق و النجع و الكوت – ألى جانب الجرح  و العرس- من أحب الأغراض لدى سكان الجهات الريفية و البدوية لقربهم من تلك البيئة و يبقى الشعراء المفضلون لديهم منصورالعلاقي وأحمد البرغوثي  و الطالب العياري و أحمد ابية و شبيل الأب و الرويسي و الصغير ساسي و عبادة السعيدي و الفرحان و ملاك   ، أما سكان الحواضر فهم يميلون أكثر للملحون الذي يحمل القيم الجمالية الحضرية و المحجوز،  من ذلك ولعهم الكبير بأشعار بن موسى و النجار و الزغبيب والعيدودي و ملاك أيضا و تونين البرجي (المالطي الأصل و قد أخذ الصنعة على العربي النجار) وصالح بوراس التمزرتي .
كما نلاحظ أن  الغناء في الفضاء الحضري ينشد في طبقات منخفضة  و ينشد في طبقات مرتفعة كلما ابتعد عنه لذلك سمي الغناء الحضري بالحيطي، كما نجد الكثير من التأثيرات النغمية الحضرية و الأندلسية التي تميزه في طريقة الأداء و الزخرفة الموسيقية المراد منها التطريب و طبوع الإنشاد، في حين يلتزم الغناء الريفي و البدوي بطبوع العرضاوي و الصالحي  و القبلاوي  و الشهيدي في الوسط و الجنوب بينما تغلب في المرتفعات الغربية طبوع الركروكي و العبيدي و الطرخاني و الجندوبي .
أ -الطريق  أو طريقة أداء للملحون( الوصلة):
يسمي الغناية التسلسل الغنائي للملحون الطريق بمعنى الدور أو النوبة أو الوصلة، و هذا التسلسل يتم حسب قواعد متعارفة لدى الغناية و السامعين و لعل أهمها و حدة الغرض و وحدة الصوت. و يتكون التسلسل من العناصر التالية:
·       الطوالع ج طالع و هي عبارة على بيتين أو ثلاثة لا تكوّن قصيد و إنما تكتفي بذاتها مكونة حكما أو محلات  شاهد ، يفصح فيها عن الغرض الذي سيتعرض له الغناي كقولهم في الأخضر:
ڤبل الهوى كنت مرتـاح \\\ بعد الهوى صرت شاڤي
جرالـي كما غصن تفاح \\\ جـبـدت عليـه السـواڤي
أو في الكوت :
فيكمش من يركب الخيل \\\ و مغروم بالحب زادة
يشـڨ الخلاء يسهر الليل \\\ يحـرم رڨــاد الوســادة
أو في البرق:
البـــرڨ خــــــــدم \\\  في المزنا يشيـر
و الرعد يڤمڤـــــم \\\ و الصب غزيــــــــر
و الــــــبر تنــــعـم \\\ انشاء لله خـــــــير

في بعض الجهات يقع تعويض الطوالع أحيانا بأبيات من نوع الصالحي أو الملالية.
بعد دفع الطوالع يتم الدخول  في التسلسل أو الطريق ويقع الدفع تباعا لكل من:
·       الموقف الذي بتم دفعه دون إيقاع دائري و إنما بإيقاع حر.
·       المسدس كذلك يدفع في إيقاع حر.
·       القسيم كذلك يدفع في إيقاع حر.
في هذه القطع يقوم الغناي بأداء منفرد و لا يسعفه الردادة أو الخماسة أو السعفاء  إلا عند نهاية الموقف و المسدس و القسيم بالرجوع إلى الطوالع التي أشرنا إليها سابقا. كما يمكن للغناي أن يدفع أكثر من مسدس و أكثر من  قسيم. في بعض الجهات مثل الساحل و المثاليث، بقدم القسيم على المسدس.
·       الملزومة أو السوقة التي يتم دفعها بمساعدة إثنين أو ثلاثة من المسعفين  و هنا أيضا يمكن للغناي أن يقدم أكثر من ملزومة.
و تدوم مدة الطريق حوالي الساعة.
الشعر الشعبي التونسي بين الرقي والتراجع من خلال تحولات التعبيرات الغنائية.
الموقف
يعتبر الموقف المحدد لوصلة الإنشاد إذ به يعلن الغنّاي عن الغرض الذي سيقدمه في وصلته، و يتم "دفعه" أي أداءه بتأني حتى يستوعب السامع مقاصد الشاعر و صوره الشعرية.
يتركب الموقف من رباعية من أربع أشطار يتفق ثلاثة منها في القافية فيما ينفرد الشطر الرابع بقافية على حدة، مع التأكيد على وجود وحدة الحرف الأخير لقوافي كل الأشطار و يسمّى ميزان الموقف بالمربع و فيه ثلاثة أنواع:
·       المربع العريض أو الكامل و هو المربع المتساوي الأشطار.
كقول محمد الصغير الساسي في غرض الأخضر:
خلخال في الساڨ مڨفول***و القد بابور معدول
مطمان لا هوش مختول***يحللي الدرك و الوكايل
أو كقول العربي النجّار في غرض الكوت(الخيل):
حد المنى سابڨ عتيد*** أزرڨ حجر واد و مديد
هيهات ما يكسبه سيد*** مشهور في البر شايد
·       المربع المقطوف.و يكون الشطر الثاني من المربع ناقص و من ذلك جاء الڨطف.
كقول أحمد البرغوثي في غرض الضحضاح:
ضحضاح ماشناه يُزراڨ***يوساع يُغراڨ
غيمه على روس الاشفاڨ***دخـّان غطـّى رواڨه
***
مهاميد شينة و رڨراڨ*** و خنڨ و اطباڨ
و جبال تعلى و تشهاڨ*** هي و سحابه تلاڨى
أو معارضة محمد الطويل للبرغوثي:
ضحضاح ماشناه يُبسال***يعراض يطــــــــوال
غيمه حفز بان زنكـــال***في الشبح عامل ضلالة
***
كان السراب فيه ينهال*** مهيوب منــدال
طول المدى فيه ڨـــدّال*** لا ثم منه مشاله

·       المربع المبطوح. و بيانه على النحو التالي في غرض المكفر:
سميت باسم العزيز المقدر*** للخلق ينظر
لا ثم في الملك غيره مقدر*** الواحد القهار



و من القواعد المعمول بها في سهرات المحفل أن يبدأ بالغناء أكبر الغناية سنا أو أمهرهم أو أول من يحضر لدار المحفل  منهم، كما يكون الغناية الذين سيؤدون  طريقهم بعده مجبرين بالالتزام ينفس الغرض الذي تتطرق له الغناي الأول حسب القولة المتعارفة لديهم :« الغناء بالضد اللي سمعت رد ».
كما أنه غالبا و من عادات بعضهم بدء المحفل بطريق مكفر أو صلاة على النبي أو إذا توافق المحفل مع موسم الحج يؤتى بطريق في الحج. و مهما يكن من أمر فإن صاحب المحفل بالاتفاق مع الغناية يوجه الأغراض لما يتوافق مع متطلبات الحياء حسب تقاليد العائلة و اختلاط الآباء مع الأبناء و الكبار مع الشباب .

و بمفعول الترديد تُحفظ القصائد و تنتشر بين السامعين، و أسهل القصائد حفظا هي الملزومات لما فيها من الإيقاع و ترديد لازماتها ، و هكذا تتكون المدونات و ينمو سجل الأغاني و تتداول بين الناس من جيل إلى آخر فتحفظ للذاكرة تراثا و قيما جمالية و فنية. و لعل أغلب – إن لم نقل كل - ما رددته أمهاتنا و جداتنا هو من هذا الديوان الشعري الموسيقي الضخم  الذي أبدعه فحول من الشعراء و الغناية فيهم من بقي ذكره إلى اليوم و فيهم الكثير ممن غمرهم النسيان غير أن النظم الجميل و الألحان الشجية بقيت تهز الوجدان الجماعي.
يجمع الشعراء و الرواة الذين استجوبناهم ما بين السبعينات و الثمانينات أمثال صالح بن جامع و محمد جديرة و محمد مازيغ و بالقاسم الدويري و الحاج بالقاسم الجاني – و كلهم من مواليد أخر القرن 19 و أول القرن 20- أن فترة أوج الملحون التونسي نظما و إنشادا تمتد من أواسط القرن التاسع عشر إلى الثلث الأول من القرن العشرين، و يعتبرون أن المعايير الجمالية و الخيال الشعري و البلاغية معتمدة انطلاقا من المدونة الشعرية التي تعود لهذه الفترة. و لا غرابة في هذا الموقف نظرا لكثافة العطاء الشعري كما و كيفا و للتنافس الشديد بين الشعراء إلى درجة تبادل الهجاء و الشعر الأحرش، كما أن الولع الكبير لأغلب فئات  الناس - من الحواضر كانوا أو من الأرياف و البوادي -  مهما كانت مراكزهم الاجتماعية كانت من العوامل الفاعلة في المد الشعري و الغنائي. و من شهادات بعض الرواة أحاديث و طرائف حول محافل الغناية التي تلتئم في دور الأعيان من سكان العاصمة  و من أهل العلم و المشائخ  و اشتهار البعض من الغناية في ضواحي المرسى و المعلقة مثل بالقاسم المرساوي  ، و كذلك المحافل التي تنظمها بعض النسوة و تسمى عرس بعلي  بغرض سماع  الملحون و تسهيل التعارف بين الصبايا من الحفالات و الفتيان من « الصنات » المشاهدين.
كما حدثنا بالقاسم الدويري عن مسيرته التي ابتدأت على يدي أحد المولعين بالملحون مالطي الأصل يدعى Antonin Borg اشتهر بطونين المالطي الذي تعلم بدوره على العربي النجار فن النظم و الغناء إلى أن أصبح شاعرا و غنايا. و لطونين هذا مقالات في مجلة الأباء البيض إيبلا حول بن موسى و أغاني الباعة في مدينة تونس .
لا بد من الإشارة في حديثنا عن هذه الفترة الزاهرة من الملحون التونسي على بروز الشعر الوثائقي على إثر الأحداث التي عاشتها بلادنا مع الاحتلال الفرنسي و ما تعرض له الشعراء من تصوير لمقاومة التونسيين في الشمال و الوسط و الجنوب، و لتواطئ الباي و أعوانه مع القوات الغازية المحتلة أو لما يشعرون به من خيبة و مرارة من آثار الغلبة و الهزيمة. هذه الشهادات التي من سوء الحظ ضاع منها الكثير لعدم التدوين و ربما أيضا لتحاشي الناس من حفظها خوفا من القمع و ربما لأن هذه الأشعار لم توضع للغناء و الترديد فاندثرت مع أصحابها ، وأما ما حفظته الذاكرة  فهو في مستوى رفيع من النظم و المشاعر التي تنبض صدقا و تنبع من عمق الوجدان فضلا على ما يمثله من الشهادة التاريخية و الاجتماعية. و سوف يأخذ هذا النوع من الشعر الوثائقي حيزا و مجالا أوسع لدى الشعراء، من بدايات القرن العشرين  و على امتداد مدة الاستعمار مؤرخا للأحداث  و الثورات و الانتفاضات سواء  في تونس أو في ليبيا  و الجزائر.

4- بدايات تفكك الخصوصيات المحلية :

ستشهد بداية القرن العشرين تحولات كبرى سيكون لها آثار محددة في تغيير موازين القوى لصالح المدن على حساب الجهات الداخلية و الأرياف، و ذلك بتضافر العديد من العوامل لإنهاء عملية التذرية الاجتماعية و الثقافية، فبعد أن وضعت المنظومة الاستعمارية الرأسمالية بكل ثقلها على موارد البلاد الزراعية و المعدنية[2] ، و تحطمت البنية القبلية على إثر الحملات القمعية الدامية لثورة 1864 و مقاومة الاحتلال الفرنسي، أتم الاستعمار الزراعي عملية التذرية الاجتماعية بمكننة الفلاحة التي أقصت في الشمال المئات من العائلات التي أخذت طريق النزوح قهرا و جاءت لتزيد أعداد البائسين الذين تعج بهم المدن، في حين هاجر العشرات من أبناء الجنوب لليبيا فعم البؤس البوادي و القرى و انحسر فضاء الترحال و الانتجاع في وجه القبائل البدوية بعد أن طالت أيدي الشركات الاستعمارية الكبرى المساحات  الشاسعة من أراضي المثاليث و الهمامة و أولاد سعيد لمد السكة الحديدية أو للاستيلاء على الأراضي الصالحة للزراعة، و وضع أهل الجنوب في محتشد التراب العسكري المعروف«  ببيرو عرب» . و نستشف حالة التعاسة الشاملة في العديد من أشعار العكس التي يتعرض فيها الشعراء بطريقة ساخرة فيها الكثير من الألم و المرارة لما آلت إليها أحوال الدنيا من شقاء و مهانة بعد العز و الشموخ. و ستبلغ حالة البؤس الاجتماعي الشامل من التوسع لتأخذ طابعا دراميا مأسويا بداية من 1920 مع النمو الديمغرافي و اتساع رقعة المدن و بداية ظاهرة الأحياء الطوب و القصدير و انهيار بنى المدن العتيقة التي غاصت في حالة من السبات و الركود افقدها خصوصياتها وأهمية دورها، و على عكس ذلك اتسعت المدن الأوروبية التي أصبحت ترفل في حياة من الترف و الملذات و الملاهي.
على هذه الخلفية من البؤس الاجتماعي كانت التعابير الغنائية الحضرية كما تعرض لها الصادق الرزقي و خاصة كما يصفها ديرلنجير في مقال في المجلة التونسية[3]  في حالة من الذوبان و تعطي صورة فسيفساء مفككة الأوصال و المكونات، مجموعات من مرددي المالوف مشتتون بين الزوايا، و منشدون تلمهم حلقات الأفصال في مقاهي المدينة، تتقاذفهم تيارات النسيان و التحريف و التشويه الناتج عن الركود الإبداعي، مكتفين بحلقات التكرار العقيم. إضافة إلى هذا الوضع كان لبداية ظهور التأثيرات الدخيلة من التعابير الشرقية من أدوار و قصائد  محمد عثمان و الشيخ عبد الرحيم المعروف بالمسلوب  و داود حسني و أبو العلاء محمد غيرهم، و خاصة الطقطوقة هذه الأغنية الخفيفة من نوع الأهزوجة و التي لا علاقة لها بالأهازيج الشعبية، وانتشار أغاني اللاجئين الطرابلسية، الأثر المحدد في بناء الذائقة الجديدة و تيسير عملية المد المشوه للتعابير الغنائية التونسية تحت تأثير أغاني اليهود الطرابلسية و مغنيي ما تعارف الناس بتسميتهم بمغنيي«  سيدي مردوم ». فاجتماع هذه التأثيرات في هذه المرحلة من:
·       فقدان المجتمع لحد أدني من مقومات الدفاع عن الذات المعنوية  و المناعة التي تكونها و تبنيها نخبه.
·       تراجع التعابير الغنائية المحلية الحضرية المتمثلة في المالوف.
·       انتشار محلات الفرجة العامة من مقاهي و حانات.
·       ظهور الفونوغراف و الاسطوانات المسجلة.
كل هذا فتح الباب على مصراعيه لتعابير ستؤسس للأغنية الحديثة و ستجعل منها المثال الذي سيسود أشكال الغناء نظما و تلحينا، وستؤسس لبروز علاقة جديدة بين الباث و المتلقي ضمن علاقة سوق و استلاب، لا علاقة هوية و انتماء.
و ستحتد أزمة الموسيقى و الأغنية التونسية غداة انعقاد المؤتمر الأول للموسيقى العربية بالقاهرة في 28 مارس 1932 ،و بعد عودة الوفد التونسي الذي ترأسه ح.ح. عبد الوهاب . إذ لأول مرة - إذا استثنينا مقالا لـ ح.ح. عبد الوهاب نشره بإيعاز و تشجيع من البارون ديرلنجير بالمجلة التونسية عام 1918[4]- تتدخل النخب المثقفة في مسألة الموسيقى و الأغنية التونسية بصورة فاعلة، فكان لمحمد البشروش موقفا جريئا حول المشاركة التونسية بمؤتمر القاهرة في مقال له في مجلة العالم الأدبي في عددها 17 لعام 1932 بعنوان الموسيقى التونسية، ينكر فيه تمثيل المالوف للموسيقى التونسية بقوله:« و شيء واحد يدلك على أنه ليس بموسيقى تونسية: أنه لا يترنم به اليوم في الحفلات و السهرات إلا سكان بعض المدن و القرى التي يقيم فيها أحفاد أولئك الأندلسيين أما موسيقى الشعب فلا تمت إلى المالوف بحبل من نسب...»
و كانت بداية استفاقة النخب النيرة في نقاش و جدل يهدف إلى أقوم السبل لنجدة الموسيقى و الأغنية التونسية مما هوت إليه من درجات الانحطاط و الحضيض، في حين سخـّر البارون ديرلنجير منذ بدايات القرن جهده و ثروته للنهوض لا بالموسيقى التونسية فحسب و بالعلوم الموسيقية العربية إذ على يديه و بسهره الدؤوب تم تحقيق و ترجمة أمهات الكتب العربية في هذا المجال.
كما نادى مصطفى خريف في مجلة العالم الأدبي بالعدد 19 من عام 1932  بضرورة بعث النادي الموسيقي لانتشال الموسيقى التونسية من التردي الذي آلت إليه بقوله :« أما السبيل إلى ذلك فهي النادي التونسي للموسيقى ...فهذا النادي يجب أن ينضم إليه جميع من يشتغلون بالتلحين و الغناء، و هو الذي يقدر أن يمشي بنا في سبيل الأماني الذهبية التي تتشبث بها الموسيقى التونسية  ...»
و في الأثناء تتعمق الهوة بين الروح الشعرية الشعبية و النخب و بين غناء الشارع و غناء العائلات و لم تسلم من حالة الذوبان و التذرية الجارفة إلا جزر الجماعات المتآزرة في الفضاء العمراني لمدينة تونس من شنني و دويرات و تمزرت و جريدية و مطاوة و غيرهم من بني خداش و نفزاوة الذين حافظوا على حد أدنى من العصبيات البدائية و المناعة الاجتماعية بمواصلة إحياء الأفراح و المناسبات بالملحون و الغناية، و احتمت الأرياف و البوادي في الساحل و السواسي و المثاليث و همامة و ماجر و اولاد عيار و العديد من القبائل و العروش التونسية لزمن لابتعادها عن تأثير المدن، ليتواصل إنشاد أشعار الصغير الساسي و العياري و البرغوثي و عبادة و الكافي و الفرحان و غيرهم. لكن هنا أيضا بدأت حركة التراجع و الجزر تظهر بأفول نجم الأعراف الكبار و بداية مرحلة التكرار و اقتصر الجهد الإبداعي في الأغراض الاجتماعية - التي لا تقل أهمية و الحق يقال – خاصة مع بدء صدور الجرائد الساخرة الهزلية مثل المضحك و الزهو لعثمان الغربي الذي كان له الفضل الكبير في نشر العديد من القصائد لبن موسى و عبد الرحمان الكافي و النجار و غيرهم و قد كان بدوره مولع بالشعر الملحون و نضم فيه قصائد عديدة وقع تلحينها.
لم تتمكن النخب من جمع كلمتهم لتأسيس النادي الموسيقي و لم تكن المرحلة بمرحلة تأسيس فبين متطلبات مواجهة المستعمر على المستوى السياسي و انسياق الكثير لحتمية التعاسة في « غيوان السبسي »و على إيقاع « البشقي » و مكابدة الناس العاديين لويلات المجاعة و الأوبئة المتفشية، جاءت بادرة تأسيس المعهد الرشيدي سنة 1934 -و الذي باشر مهامه في بداية 1935 – على أيدي بعض من أصحاب العزائم الصادقة كحركة إنقاذ للتراث الأندلسي من الضياع و هذا هو جانبها الإيجابي و كذلك جاءت كمحاولة لمواجهة الأغنية المبتذلة و الهابطة التي سادت المدن و الفونوغراف و المقاهي و الحانات، على مستوى النظم أساسا و الموسيقى بصورة ثانوية دون أن يقع إعادة النظر البتة في الوظائف و العلاقات. فالمنظومة التي تولدت عنها الأغنية الهابطة الرديئة، لم يقع التوجه لها بالنقد و الإصلاح، فكان منذ البداية ميلاد الأغنية الحديثة أو التي يمكن اعتبارها راقية في نفس التربة و البؤرة التي أنجبت أغاني من نوع « إزا لكة سمس عليك »، و« برتقاني و حلو و مسكي أحلى من سرب الوسكي» و« شيري حبيتك» و ما شابهها من الأغاني التي تطفو على الساحة الغنائية التونسية من حين لأخر بدعوى أنها من الموروث الثقافي.
 صحيح أن ما نتج عن مجهود المتدخلين في عملية انتقاء الأشعار و الأغاني كان موفقا إلى حد،  واحتفظت الرشيدية بطابعها المميز و الذي كان فيه للشعر الملحون النصيب الأوفر مثل روائع صليحة الخالدة: فراق غزالي، بخنوق بنت المحاميد، يا خيل سالم، آش يفيد الملام ، مريض فاني،عيون سود مكحولين،غزالي نفر،أم الحسن غنات، و لكن في هذا الزحام من أشباه الشعراء و الناظمين بقيت أمهات قصائد فحول الملحون مقصية من عالم الأغنية التونسية منذ تأسيس الراشيدية ، فلا تجد مثلا لأحمد بن موسى إلا أغنية يتيمة غنتها علية و من ألحان صالح المهدي : « ليعتني بشد الهوى يا دوجة» و لا أذكر مرة واحدة أنها نسبت لصاحبها. غير أن الجزء الأكبر من مدونة الأغاني التونسية منذ تأسيس الراشيدية لا يحمل سمات الملحون و لا يمكن البتة أن تنطبق عليه مقولة الغناء:معنى و قافية و سبب، و بقيت متأثرة في أغلبها بنمط الطقطوقة المشرقية في مضامينها و في ألحانها. و تحولت أدوات الاتصال الحديثة التسجيل ألفونوغرافي و البث الإذاعي و التصوير بأنواعه- التي كان لها من النفع للتراث في كثير من البلدان المتقدمة- إلى أدوات هدم و دمار للذاكرة و التراث بصورة عامة.
و لعل الأمر يصبح غير ذي جدوى للتعرض لمراحل التهميش و التقزيم لأشكال التراث الشعبي عموما و للشعر الملحون تحديدا بعد السنوات الأولى من الاستقلال، و ما آل إليه الشعر الشعبي من حشر في متاهات التوظيف السياسي و تلك الحصة الأسبوعية التي نفرت جيلا كاملا من أبناء تونس عن شعرهم الشعبي و أغانيه، بينما تتواصل حيوية الملحون المغربي و الشعبي الجزائري ترديدا و إنتاجا وبثا ، و يجلبان إليهما الكثير من السامعين الشباب، و ما تعامل مجموعات جيل الجيلالة و ناس الغيوان و المشاهب مع هذا التراث إلا دليل على اهتمام الأجيال الشابة بهذا اللون.
و اليوم ومنذ عقدين و مع الصحوة الهائلة لقريحة الشعراء الشبان المثقفين وتواصل عطاء الكبار منهم و عودة الولع للسامعين نبقى في حيرة من أمر الأغنية التونسية التي تبتعد كل يوم أكثر من ينابيع الروح الشعرية الشعبية و تغرق في معاني و قوافي و أسباب لا صلة لها بعمق وجدان الأرض و أهلها. و لا داعي للتأكيد على أن للمهرجانات الفضل  في هذه الصحوة التي نجد فيها كلنا دارسون و سامعون و مبدعون متعة و سببا للحفاظ على هذا الديوان الثمين . فالمهرجانات في اعتقادي بلغت أهدافها في حفز و إذكاء المد الشعري و نموه و نحن في حاجة اليوم لمجالات النقد التي تمكن الراقي من الشعر من التطور و التجدد و النفاذ إلى المجتمع، مجالات للنقد العلمي الأكاديمي و الشعبي و لن تتوفر هذه المجالات في اعتقادي إلا بإعطاء هذا الأدب و الفن المنزلة التي تليق به في المؤسسة التعليمية و البحث و أجهزة البث المسموع و المرئي.


[1] H.KAROUI et A.MAHJOUBI : Quand le soleil s’est levé à l’ouest. Ceres prod. Tunis 1987
[2] تأسيس شركة الفسفاط و السكة الحديدية بقفصة عام 1897
[3] Rodolphe D’Erlanger : La musique arabe en Tunisie, in La Revue Tunisienne 1917
[4] H.H. Abdelwahab : « Le développement de la musique arabe en Orient ,Espagne et Tunisie »In La revue Tunisienne 1918