mardi 5 avril 2011

الإسلام السياسي (1)

محمد محمود طه


بقلم سمير أمين

ترجمة أزواو

ما هي طبيعة و وظيفة الحركات السياسية التي تدَّعي امتلاك العقيدة الإسلامية الحقة في العالم الإسلامي المعاصر؟ في العالم الغربي تُسمى هذه الحركات " الأصولية الإسلامية". أفضل استعمال المصطلح الشائع في العالم العربي: "الإسلام السياسي".

نحن لسنا أمام حركات دينية في حد ذاتها – فكل المجموعات قريبة لبعضها البعض- بل أمام ظاهرة أكثر بساطة: منظمات سياسية هدفها الاستحواذ على السلطة لا أكثر و لا أقل. وإن تلحفت هذه المنظمات بعباءة الإسلام، فذلك من باب الانتهازية.

الإسلام السياسي المعاصر وقع ابداعه من طرف مستشرقين في خدمة الاستعمار البريطاني بالهند ثم استعاده كما هو، في باكستان، المودودي ( ولد عام 1903 في جنوب الهند ، ثم استقر بباكستان سنة 1947 بعد "تقسيم" الهند وإنشاء باكستان؛ وتوفي بلاهور عام 1979). الشيخ أبو العلاء المودودي هو مؤسس حزب "جماعات إسلامي" في 1941، و تمشِّيه يهدف أساسا إلى "برهنة" أن المسلمين لا يستطيعون العيش إلا في ضل نظام دولة لإسلامية، لأن الإسلام لا يسمح فصل الكنيسة عن الدولة. هذه التوجهات التي كانت تهيئ لتقسيم الهند، تنسى أن الانكليز في القرن 13 كانت لهم نفس الرؤية للمسيحية.

إن الإسلام السياسي، العدو اللدود للتحرر، لم يكن ليهتم بالدين الذي عليه يعتمد؛ ولا يقترح أي نقد فقهي أو اجتماعي؛ وهو ليس "بتيلوجيا تحررية" شبيهة بما تطور في أمريكا اللاتينية [i].

إن الإسلام السياسي هو عدو تيلوجيا التحرر. فهو يدعو للخضوع والامتثال و لا للإنعتاق.

يعتبر محمد محمود طه (ولد من عائلة متواضعة بالسودان الذي ما زال مستعمرة بريطانية حوالي 1909.) المثقف الإسلامي الوحيد الذي حاول تطوير عنصر الإنعتاق والتحرر في تفسيره للإسلام. عندما حُكم عليه بالإعدام من أجل أفكاره عام 1985 من طرف السلطات السودانية [ii]، لم يندد بإعدامه أي تنظيم من التنظيمات الإسلامية سواء كان راديكاليا أو معتدلا؛ ولم يدافع عنه أي مفكر أو مثقف من أصحاب مرجعية "الصحوة الإسلامية"، ولا حتى من الذين لديهم رغبة في "النقاش" مع هذه الحركات. تم إعدام محمد محدود طه دون أن تعلن عنه أي من وسائل الإعلام الغربية.

لا يهتم جهابذة " الصحوة الإسلامية" بالمسائل الفقهية ولا يحيلون في خطابهم لأمهات المراجع الفقهية؛ فبالنسبة لهؤلاء المفكرين الأمة الإسلامية تُعرَّفُ بالوراثة كجنس أكثر منها كعقيدة شخصية قوية وفردية. ولا تعدو المسألة أن تكون "هوية جماعية" لا غير. لذلك تكون عبارة: " إسلام سياسي" التعريف الملائم لهذه الحركات.

و من الإسلام، لا يحتفظ الإسلام السياسي إلا العادات المتقاسمة في الحياة الإسلامية المعاصرة، وبالأساس الطقوس الشعائرية والفرائض التي يجب تطبيقها بعناية فائقة. كما يشدد على رجوع ثقافي شامل للقواعد العامة والخاصة التي كانت لسائدة منذ قرنين في عهد الدولة العثمانية في إيران وآسيا الصغرى تحت الأنظمة التي كانت تحكمها وقتها. يعتقد الإسلام السياسي أو يتصور الاعتقاد أن تلك القواعد هي "الإسلام الحقيقي" إسلام عهد الرسول. هذا لا يهم كثيرا، يبدو مؤكدا أن الإسلام يجعل ممكنا مثل هذه التأويلات لتشريع ممارسة السلطة. في الواقع هكذا تم الاعتماد على هذا التأويل منذ بدايات الإسلام إلى أيامنا هذه.

بهذا المعنى، لم يأتي الإسلام بجديد، فالمسيحية اعتمدت على الدين المسيحي لتبرير هياكل السلطة السياسية والاجتماعية في أوروبا ما قبل الحداثة، على سبيل المثال.إذ أيا كان يتمتع بقدر أدنى من الوعي والفكر النقدي بإمكانه أن يستكشف أن وراء الخطب التبريرية هناك أنظمة اجتماعية حقيقية مرّت بمراحل تاريخية حقيقية؛ الإسلام السياسي لا يكترث بهذا ولا يقترح أي تحليل أو نقد لهذه الأنظمة. وما الإسلام السياسي المعاصر إلا إيديولوجية ترتكز على الماضي، إيديولوجية تقترح الرجوع إلى الماضي لا أكثر ولا أقل، و تحديدا الرجوع للفترة السابقة مباشرة لخضوع العالم الإسلامي للهيمنة الرأسمالية والامبريالية الغربية. ولإن وقع تأويل ديانات كالإسلام أو المسيحية و غيرها بطريقة رجعية [ بمعنى الرجوع إلى الوراء] وظلامية، لا ينفي تأويلات أخرى إصلاحية و حتى ثورية. فالرجوع إلى الماضي ليس مرغوب فيه فحسب – وفي واقع الأمر إن الشعوب التي يدعي الإسلام السياسي التحدث باسمها لا ترغب فيه حقا- فضلا على أنه مستحيل.

لهذا السبب، ترفض الحركات المكونة للإسلام السياسي اقتراح برامج دقيقة، على عكس ما هو معمول به في الحياة السياسية. وللرد على الأسئلة الملموسة في المجالات الاجتماعية والسياسية يكرر الإسلام السياسي الشعار الأجوف: "الإسلام هو الحل".

وأمام ضغط الحجاج وحِدَّته الذي يحاصرهم في آخر مواقعهم، لا يجد دعاة الإسلام السياسي حرجا من الإجابة بمواقف متناغمة مع مواقف الرأسمالية الليبرالية. من ذلك مثلا عندما تعطي الحكومة المصرية حرية استغلال مطلقة للمالكين الزراعيين، ولا شيئا في المقابل للفلاحين الذين يكدحون على أراضيهم (الملاكين) في معاناتهم البائسة لإنتاج "اقتصاد سياسي إسلامي". ولا يُفلح العديد من أصحاب الدراسات والكتب في هذا الموضوع (والممولة من العربية السعودية) إلا بإخفاء تعاليم الليبرالية الأمريكية البسيطة، تحت غشاوة ذات طابع ديني.

يتبع


[i] انظر بخصوص هذا الموضوع: Michael Löwy, La guerre des dieux. Religion et politique en Amérique Latine, Paris, Ed. du Felin, 1998

[ii] في عام 1945، عندما كان السودان تحت السيطرة البريطانية، أسس محمد محمود طه الحزب الجمهوري، ما سيتسبب له القمع والسجن. في ذات الوقت، أصدرت جامعة الأزهر حكما على محمد محمود طه بالكفر مما يعني العقوبة بالموت. في 1969 ، وعلى إثر انقلاب عسكري يستولي جعفر النميري على الحكم، وبحكم توجهه الوطني اليساري ساندالحزب الجمهوري بشيء من التحفظ النميري، لكن هذا لم ينقذه من السجن لمدة شهر عام 1976 لنقده النظام السعودي وتشدده الديني، فالعربية السعودية دولة مانحة للسودان. بداية من 1983 غير النميري تحالفاته لصالح الإسلاميين الذين قاومهم بشدة من قبل، وكتنازلات لهذا التحالف، دفع الثمن غاليا الحزب الشيوعي السوداني، كما تم إقرار الشريعة تدريجيا، وتم إيقاف الخصم اللدود للإسلاميين محمد محمود طه على إثر إيقاف البعض من رفاقه في جانفي 1985 لتوزيعهم منشور ينتقد النظام. قام طه بتنظيم مظاهرة سلمية فوقع إيقافه في 7 جانفي و محاكمته بداية من 8 جانفي انتهت بالحكم عليه ورفاقه بالإعدام. أُمهل المحكوم عليهم مدة 3 أيام للتراجع حسب ما تمليه الشريعة، فتراجع 4 من رفاقه وتمسك طه بمواقفه ووقع تنفيذ حكم الإعدام فيه شنقا يوم 20 جانفي.

Aucun commentaire: