lundi 24 janvier 2011

اليسار الديمقراطي وجوهر الخلاف مع الحركة الاسلامية



يجب أن يفهم الجميع وخاصة الاسلامين أنفسهم ، أسباب توجس قطاع واسع من المجتمع من الحركات الاسلامية . فالموضوع لا يتعلق بعداء مجاني للاسلاميين كما يتصور البعض، ولا يتصل بعداء اليسار الديمقراطي للاسلام كما يدعي بعض الآسلاميين قدحا وتضليلا مغرضا للناس وابتزازا لمشاعرهم الدينية . فنحن كلنا مسلمون بالمعنى الثقافي والحضاري ، و معركتنا الأساسية كانت و ستظل ضد الحيف الآجتماعي و الآستبداد و الفساد. و ضد القهر بكل أنواعه . و الهدف من نضالنا هو تحقيق العدالة الاجتماعية، و الدفاع على كرامة شعبنا و إسترداد حقوقه كاملة غير منقوصة من حق كل مواطن في نصيبه من الثروة الوطنية. ووقف اهدارها وتقاسمها من قبل جماعات المافيا... إلى كافة الحقوق الأخرى المتصلة بالحريات بما في ذلك حرية العبادة وصيانة معتقدات اهلنا . في حقيقة الأمر، الموضوع يتصل ببناء وطن حر لمواطنين أحرار ، وبترسيخ مفاهيم التعايش السلمي بينهم على قاعدة الحرية والقوانين الناظمة للمجتمع ، بدلا من قواعد الآكراه واحتكار تفسير مقاصد الشرع الآسلامي وإجبار الناس على الخضوع لتفسيرات جامدة تسيء للدين إذ تحكم على النص بالموت وتدفن الاجتهاد ، وتدفع الناس إلى الآرتداد لعصور الظلام ، عصور الآستبداد وانتهاك حرية الآدميين والانتصاب لمعاقبة البشر على وجه الأرض قبل قيام الساعة!!!.

وبالرغم من بروز اجتهادات تستحق التأمل ومراجعات جدية للموقف من الديمقراطية ، أقدم عليها بعض منظري التيار الاسلامي، إلا أن ذلك لم يطل، بشجاعة فكرية ، الأساس النظري الذي أفضى على الدوام إلى استنتاجات معادية ، للحرية. وكان لا بد لمثل هكذا استنتاجات أن تكون معادية لكل ما هو مدني وحداثي ، ما دامت ناجمة عن تفسيرات جامدة لمقاصد الشرع لا تراعي متغيرات الحياة الحية. وهنا مربط الفرس. فمادمنا معنيين بقضية الحرية ، فنحن نناقض كل فكر يتضمن الآستبداد وضرب منصة الحرية التي يتوق لها شعبنا . و لذلك ، فبالرغم من تبني بعض مفكري الحركة الاسلامية لشعارات الحداثة السياسية. ومن خلال متابعتنا لهذه الاجتهادات الخجولة، نظل ننظر لها على أنها خطابا تعبويا دفع باتجاهه مطلب الديمقراطية الجارف. الديمقراطية التي تحولت، خاصة خلال العقدين الآخيرين إلى مطلب البشرية بأسرها و حلمها ومركبها الذي لا يصد ولا يرد ...

وبكل وضوح ومصارحة. خلافنا الجوهري مع الاسلاميين يكمن في عدائهم الصريح للمشروع الوطني التحرري الحداثي. إذ يرون في الديمقراطية وما تتضمنه من حرية ومساواة وعدل كقيم أساسية، تناقضا مع الحكمة الآلهية ! لا لشيء إلا لأن التربة التي نشأت فيها هذه القيم لم تكن تربة إسلامية ( و هذا خطأ) لان الحداثة ارتبطت تاريخيا بالتطور الموضوعي للمجتمعات الانسانية قاطبة بشرقها وغربها ، ولا تختص بها حضارة دون غيرها ...غير أن الفهم السكوني للحضارة البشرية، الذي يعتمد التدخل الرباني في التاريخ، يجعل الأصولية ترى التاريخ الآنساني عبارة على حزم من الثقافات المتجاورة والمتناحرة لا مشترك بينها ولا تشابه بين البشر ضمنها. "فالغرب غرب والشرق شرق " هم أهل الدنيا ونحن أهل الآخرة. وكفى .

بالتاكيد، و من الطبيعي -و وفق قراءة سكونية للنصوص المرجعية- و نظرا لأن زماننا يختلف في كل الأبعاد ، عن الزمن السحيق الذي تصر الأصولية على لي عنق التاريخ ، وجعل حاضر الناس في ماضيهم ، ستبدو الممارسات الديمقراطية الحديثة، كأنها محرمات لا يجوز الأخذ بها . وهذا نابع من التعامل مع النص القراني و السنة المحمدية بدوغماية مقيتة، دون تجديد الرؤية للماضي بمستجدات الحاضر ، ودون تحرير الفكر من جموده السلطوي والعقائدي. بمعنى آخر دون رؤية اجتهادية للتراث في حركته التاريخية واستيعاب قيمة النسبية، وتحديد ما وجَبَ بقاءه وحضوره كشاهد على أصالة العلاقة الموضوعية بين ارثنا الثقافي و بين المشروع الديمقراطي. الديمقراطية بوصفها معركة وطنية تحررية و قطعا مع القمع والاضطهاد واستلاب الإرادة ، و اغتصاب الحرية.

في المقابل ، تتمحور مطالب مجتمعنا حول ضمان حرية الناس، وحقوقهم الأساسية، وتوزيع الثروة بشكل عادل، والحماية الاجتماعية، وحرية المراة، والمساواة بين المواطنين، والتداول على السلطة، والقضاء السيد المستقل ، والصحافة الحرة.... ومع أن خطابنا سياسيا مدنيا وليس فقهيا دينيا، فكل هذه القيم و الممارسات الديمقراطية لا نراها تتعارض مع مقاصد الشرع في تحرير الانسان من العبودية والظلم، بأي حال من الأحوال، إن نحن استطعنا إعادة قراءة ارثنا الثقافي ببصيرة هذا الزمن الذي نقيم في سيرورته، لا من وجهة نظر أزمنة سحيقة لا تمت معطياتها لواقعنا و لا للعالم من حولنا بأي صلة. ثم إن الآسلام هو عقيدة شعبنا و هو من صميم ارثنا الثقافي والحضاري ، ولا أحد يملك حق الوصاية عليه . ولا أحد من حقه إحتكار فهم مقاصده وإجبار الناس على تبني فهمه الأحادي للمرجعية و تكفير غيره لتغطية عجز الأصولية على بلورة مشروع وطني يكفل الحرية والعدالة والتقدم؛... .

أثبتت الثورة التي هي ثمرة تراكم نضالات الفقراء، ضد الظلم الطبقي ، و تراكم مقاومات النخب السياسية المدنية ضد الآستبداد و الفساد و سلب الحريات. أثبت ثورة شعبنا من خلال قوة التضامن الوطني الذي ميزها ، فأذهل العالم. و من خلال مطالبها الحداثية، وتوسعها وتجذرها وشموليتها ، ومن خلال شعاراتها السياسية شديدة الوضوح أن التوانسة شعب و ليسوا ملة دينية و لاهم قبائل و لا عروش، و لا جماعات تنتظم خلف الزوايا الصوفية. و من المعلوم ، و وفق أحدث نظريات علم الآجتماع، أن "الشعب" هو مفهوم سياسي حداثي إرتبط بنشأة الدولة والدساتير والقوانين الوضعية التي تنظم العلاقات بين الدولة والمواطن؛ و علاقات المواطنين فيما بينهم. فمفهوم الدولة أو الأمة جاء إستجابة لتطور الآجتماع الإنساني، كبديل على مفهوم الملة؛ و مفهوم المواطنة كبديل على الأخوة الدينية أو القرابة الدموية... (وغيرها من أطر تقليدية ما قبل الوطنية) . إن كل هذه المعاني و القيم و الممارسات السياسية و الفكرية، هي مفاهيم لصيقة بتطور الاجتماع الانساني ، اهتدت لها البشرية بعد أن اكتوت قرونا طويلة بماسي التناحر و الاقتتال و المذابح الرهيبة التي جرت على خلفية الآنقسام بين الملل والنحل على أسس دينية أو عرقية أو جهوية أو غيرها. فكما أن الطب الحديث و علم النفس ، أخرجا الناس من زمن التداوي عن طريق التنجيم و الشعوذة و الأساليب البالية التي لم تقهر الأوبئة والموت المجاني. فإن الديمقراطية هي أسلوب للتعايش البشري السلمي المتنوع على قاعدة المساواة وسيادة القانون في إطار المواطنة الحرة ، جاءت أيضا لتخليص الانسانية من عصور الظلم والآستبداد، وإمتهان الكرامة الآدمية والآقتتال باسم إحتكار حق تفسير النصوص الدينية. و لا بد من الاشارة إلى أن الآسلام في وجهه التقدمي المضيء ( والذي ندافع عليه بشدة ) قد أسهم مع ثقافات إنسانية أخرى في الدفع باتجاه الديمقراطية كثقافة ونمط تعايش وأسلوب حكم. فليس صحيحا أن الآسلام عدو للديمقراطية إلا في أفكار الحركات الأصولية التي تنطلق من أساس مادي و خلفية طبقية، ترمي إلى تأبيد الأوضاع المريضة ، متخفية بالوفاء المزيف للعقيدة. ولذلك فالاصولية منفصلة على الزمن وعلى هموم البشر اليومية، و تحصر أسباب فقر شعبنا و معاناته الناجمة عن التوزيع غير العادل للثروة بين الأفراد كما بين الجهات، في أسباب أخلاقية ، لا إدانة فيها للخلل البنيوي للنظام الراسمالي المتوحش المتمثل في تناقض المصالح بين حفنة من المستغلين سارقي ثروة الشعب المستبدين و بين جمهور الكادحين و العاطلين عن العمل و المهمشين. ولا تكتفي الأصولية بتقديم حلول مثالية سخيفة ، بل أنها تدافع بشدة على التفاوت الطبقي ، وتعتبره أمرا ربانيا مقدسا. وبهذا الآنفصال على الزمن ، وعلى هموم الناس، تشوه الحركات الآسلامية صورة الآسلام نفسه كدين، حين تجعل منه أداة نظرية للدفاع على المظلمة الطبقية التي دفعت الشهيد محمد البوعزيزي إلى إقتحام الموت . و تعطل بعِدائها للديمقراطية إمكانيات إنتقال مجتمعاتنا إلى زمن الحرية والتمدن كسائر المجتمعات المتحضرة. إن دعوة الناس للتخلي عن المدنية والهروب من المواطنة وكل ما يرتبط بها من معاني الحرية والمساواة والدفع بهم إلى الآرتداد نحو أنماط إنتظام تقوم على الآكراه والعبودية المطلية بالتدين ، هي دعوة أبشع من إجبارهم على التنكر للطب الحديث وعلاج أمراضهم لدى المشعوذين والسحرة.

عزالدين بوغانمي . .

20 جانفي 2011

Aucun commentaire: